البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - قصة أخرى شبيهة بذلك
أهل الأرض ببركة رسالة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و دعوته، فآمن من آمن من الناس، و قامت الحجة على من كفر منهم، كما قال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و كما
قال (صلى اللَّه عليه و سلم): إنما أنا رحمة مهداة*
و قال هشام بن عمار في كتاب البعث: حدثني عيسى بن عبد اللَّه النعماني، حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبى سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال: من آمن باللَّه و رسله تمت له الرحمة في الدنيا و الآخرة، و من لم يؤمن باللَّه و رسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب و الفتن و القذف و الخسف* و قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ قال ابن عباس: النعمة محمد، و الذين بدلوا نعمة اللَّه كفرا كفار قريش- يعنى و كذلك كل من كذب به من سائر الناس- كما قال: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ. قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد سمى اللَّه نوحا (عليه السلام) باسم من أسمائه الحسنى، فقال: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قلنا: و قد سمى اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) باسمين من أسمائه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ قال: و قد خاطب اللَّه الأنبياء بأسمائهم: يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى يا داود، يا يحيى، يا عيسى، يا مريم، و قال مخاطبا لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، و ذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف* و لما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه و الجنون، كلّ أجاب عن نفسه، قال نوح: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ و كذا قال هود (عليه السلام)، و لما قال فرعون: و إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً، قال [موسى] لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً و أما محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فأن اللَّه تعالى هو الّذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قال اللَّه تعالى ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ و قال تعالى: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ* قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ و قال تعالى: وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ* وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ قال اللَّه تعالى: وَ ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ و قال تعالى ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ و قال تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.