البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم، آيات مفصلات، كما بسطنا ذلك في التفسير، و كذلك أخذهم اللَّه بالسنين، و هي نقص الحبوب: و بالجدب و هو نقص الثمار، و بالموت الذريع و هو نقص الأنفس، و هو الطوفان في قول، و منها فلق البحر لإنجاء بنى إسرائيل و إغراق آل فرعون، و منها تضليل بنى إسرائيل في التيه، و إنزال المن و السلوى عليهم و استسقاؤه لهم، فجعل اللَّه ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة، له أربعة وجوه، إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين، ثم يضربه فينقلع، إلى غير ذلك من الآيات الباهرات، كما بسطنا ذلك في التفسير، و في قصة موسى (عليه السلام) من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه، و للَّه الحمد و المنة، و قيل: كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم اللَّه تعالى، و قصة البقرة* أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكانى: و أما حياة عصا موسى، فقد سبح الحصا في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جماد، و الحديث في ذلك صحيح، و هذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبى ذر، و قد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته، و قيل: إنهن سبحن في كف أبى بكر ثم عمر ثم عثمان، كما سبحن في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال هذه خلافة النبوة* و قد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال: كان بيد أبى مسلّم الخولانيّ سبحة يسبح بها، قال: فنام و السبحة في يده، قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه و هي تقول: سبحانك يا منبت النبات، و يا دائم الثبات، فقال: هلم يا أم مسلم و انظري إلى أعجب الأعاجيب، قال: فجاءت أم مسلم و السبحة تدور و تسبح فلما جلست سكتت* و أصح من هذا كله و أصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل* قال شيخنا: و كذلك قد سلمت عليه الأحجار، قلت: و هذا قد
رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن*
قال بعضهم: هو الحجر الأسود،
و قال الترمذي: حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا الوليد بن أبى ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه قال: كنت مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمكة في بعض نواحيها، فما استقبله جبل و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، ثم قال: غريب.
و رواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبى عمارة الحيواني عن على قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجعل لا يمر بحجر و لا شجر و لا مدر و لا شيء إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، قال:
و أقبلت الشجرة عليه بدعائه، و ذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما
* و كلا الحديثين في الصحيح، و لكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما، إذ يكونان ساقهما سائق، و لكن في قوله: انقادا على بأذن اللَّه، ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته، و لا