البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢١ - فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي
اللَّه إذا جاءت الحياة كيف تحيون، و إلى ملك السماء كيف ترقون، فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، و لأكثر الناس فيها الثبور* و قد كان مسيلمة لعنه اللَّه شرع لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ، الا أن يموت ذلك الولد الذكر، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر، هذا مما اقترحه لعنه اللَّه، من تلقاء نفسه* و يقال: إنه لما خلا بسجاح سألها ما ذا يوحى إليها؟ فقالت: و هل يكون النساء يبتدئن؟ بل أنت ما ذا أوحى إليك؟
فقال: أ لم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى؟ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. قالت:
و ما ذا؟ فقال: إن اللَّه خلق للنساء أفراجا، و جعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا، فينتجن لنا سخالا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال لها: هل لك أن أتزوجك و آكل بقومي و قومك العرب؟ قالت: نعم، فقال:
ألا قومي الى النيك* * * فقد هيى لك المضجع
فأن شئت ففي البيت* * * و إن شئت ففي المخدع
و إن شئت سلقناك* * * و إن شئت على أربع
و إن شئت بثلثيه* * * و إن شئت به أجمع
فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحى إلى، و أقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقك؟ فقالت: لم يصدقني شيئا، فقالوا: إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا، فقال: أرسلي إلى مؤذّنك، فبعثته إليه- و هو شبت بن ربعي- فقال:
ناد في قومك: إن مسيلمة بن حبيب رسول اللَّه قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد- يعنى صلاة الفجر و صلاة العشاء الآخرة- فكان هذا صداقها عليه لعنهما اللَّه* ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها و ذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة إلى الجزيرة بعد ما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه، فأقامت في قومها بنى تغلب، إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه.
فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي
كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة، فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما اللَّه، ثم ترحلت إلى بلادها- فلما كان ذلك- ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، و تلوم في شأنه، و هو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده و تأخرت عنه الأنصار، و قالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: ان هذا أمر لا بد من فعله، و فرصة لا بد من انتهازها، و إنه لم يأتنى فيها كتاب، و أنا الأمير و إلى ترد الأخبار، و لست بالذي أجبركم على المسير، و أنا قاصد البطاح. فسار