البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - طريق أخرى عنه
ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي، كنت معه في طريق مكة فمر بامرأة معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول اللَّه ابني هذا كما ترى، فقال إن شئت دعوت له، فدعا له، ثم مضى فمر على بعير نادّ جرانه يرغو، فقال: على بصاحب هذا البعير، فجيء به، فقال: هذا يقول: نتجت عندهم فاستعملونى حتى إذا كبرت عندهم أرادوا أن ينحرونى، قال: ثم مضى و رأى شجرتين متفرقتين فقال لي: اذهب فمرهما فليجتمعا لي، قال: فاجتمعتا فقضى حاجته، قال: ثم مضى فلما انصرف مر على الصبى و هو يلعب مع الغلمان و قد ذهب ما به و هيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين، و قالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ما من شيء إلا و يعلم أنى رسول اللَّه، إلا كفرة أو فسقه الجن و الانس*
فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة، و قد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة و لم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجة فإنه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس ابن خباب عن يعلى بن مرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد. و قد اعتنى الحافظ أبو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة، و طرقه من وجوه كثيرة، ثم أورد حديث عبد اللَّه بن قرط اليماني قال: جيء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، و قد قدمت الحديث في حجة الوداع. قلت: قد أسلفنا عن جابر بن عبد اللَّه نحو قصة الشجرتين، و ذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون [غير] هذا فاللَّه أعلم* و سيأتي حديث الصبى الّذي كان يصرع و دعاؤه (عليه السلام) له و برؤه في الحال من طرق أخرى
و قد روى الحافظ البيهقي عن أبى عبد اللَّه الحاكم و غيره عن أبى العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبى الزبير عن جابر قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم و لا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الإداوة و انطلق بنا، فملأت الإداوة ماء و انطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى، فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):
يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللَّه: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما، ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رءوسنا الطير تظلنا، و إذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: يا رسول اللَّه، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتناوله فجعله بينه و بين مقدمة الرحل فقال: اخسأ عدوّ اللَّه، أنا رسول اللَّه، و أعاد ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا و كنا بذلك الماء مرضت لنا تلك المرأة و معها كبشان تقودهما و الصبى تحمله، فقالت: يا رسول