البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - خروج الأسود العنسيّ
جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: و ما هذا؟ فقالت: إنه أخى من الرضاعة، و هو ابن عمى، فنهره و أخرجه، فرجع إلى أصحابه، فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم اليه فيروز الديلميّ و الأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، و هو سكران يغط، و المرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه و تكلم على لسانه- و هو مع ذلك يغط- فقال: ما لي و ما لك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك و تهلك المرأة، فعاجله و خالطه و هو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه و وضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم، فأخذت المرأة بذيله و قالت: أين تذهب عن حرمتك. فظنت أنها لم تقتله، فقال:
أخرج لأعلمهم بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، و أخذت المرأة بشعره، و جعل يبربر بلسانه فاحتزّ الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، و جلس قيس و داذويه و فيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الّذي بينهم و بين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، و هو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون و الكافرون حول الحصن، فنادى قيس و يقال: وبر بن يحنش، الأذان: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، و أن عبهلة كذاب، و ألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه و تبعهم الناس يأخذونهم و يرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، و ظهر الإسلام و أهله، و تراجع نواب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى أعمالهم و تنازع أولئك الثلاثة في الإمارة، ثم اتفقوا على معاذ ابن جبل يصلّى بالناس، و كتبوا بالخبر إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد أطلعه اللَّه على الخبر من ليلته، كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبى القاسم الشنوى عن العلاء بن زيد عن ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من السماء الليلة التي قتل فيها العنسيّ ليبشرنا، فقال:
قتل العنسيّ البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: و من؟ قال: فيروز فيروز، و قد قيل: إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر، و يقال: أربعة أشهر، فاللَّه أعلم* و قال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز: قال: قتلنا الأسود، و عاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه، فكان يصلّى بنا في صنعاء، فو اللَّه ما صلّى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فانتقضت الأمور، و أنكرنا كثيرا مما كنا نعرف، و اضطربت الأرض* و قد قدمنا أن خبر العنسيّ جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الأول بعد ما جهز جيش أسامة، و قيل: بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الأول أشهر و اللَّه أعلم* و المقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم و اجتماع كلمتهم و تأليف ما بينهم