البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٨ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
ابن حامد: قالوا: فان موسى أعطى اليد البيضاء، قلنا لهم: فقد أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) ما هو أفضل من ذلك نورا كان يضيء عن يمينه حيث ما جلس، و عن يساره حيث ما جلس و قام، يراه الناس كلهم، و قد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة، ألا ترى أنه يرى النور الساطع من قبره (صلى اللَّه عليه و سلم) من مسيرة يوم و ليلة؟
هذا لفظه، و هذا الّذي ذكره من هذا النور غريب جدا، و قد ذكرنا في السيرة عند إسلام
الطفيل بن عمرو الدوسيّ أنه طلب من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) آية تكون له عونا على إسلام قومه من بيته هناك، فسطع نور بين عينيه كالصباح، فقال: اللَّهمّ في غير هذا الموضع فإنهم يظنونه مثلة، فتحول النور إلى طرف سوطه فجعلوا ينظرون اليه كالمصباح فهداهم اللَّه على يديه ببركة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بدعائه لهم في قوله: اللَّهمّ اهد دوسا، و آت بهم،
و كان يقال للطفيل: ذو النور لذلك* و ذكر أيضا حديث أسيد بن حضير و عباد بن بشر في خروجهما من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف عصا أحدهما، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف عصاه، و ذلك في صحيح البخاري و غيره* و قال أبو زرعة الرازيّ في كتاب دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس بن مالك أن عباد بن بشر و أسيد بن حضير خرجا من عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة ظلماء حندس فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج و جعلا يمشيان بضوئها، فلما تفرقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا و عصا ذا* ثم روى عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، و عن يعقوب بن حميد المدني، كلاهما عن سفيان بن حمزة بن يزيد الأسلمي عن كثير بن زيد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال:
سرنا في سفر مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم و ما هلك منهم، و إن أصابعى لتستنير* و روى هشام بن عمار في البعث: حدثنا عبد الأعلى بن محمد البكري، حدثنا جعفر بن سليمان البصري، حدثنا أبو التياح الضبعي قال: كان مطرف بن عبد اللَّه يبدر فيدخل كل جمعة فربما نور له في سوطه، فأدلج ذات ليلة و هو على فرسه حتى إذا كان عند المقابر هدم به، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره، فقال: هذا مطرف يأتى الجمعة، فقلت لهم: و تعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، و نعلم ما يقول فيه الطير، قلت: و ما يقول فيه الطير؟ قالوا: يقول: رب سلّم سلّم قوم صالح* و أما دعاؤه (عليه السلام) بالطوفان، و هو الموت الذريع في قول، و ما بعده من الآيات و القحط و الجدب، فأنما كان ذلك لعلهم يرجعون إلى متابعته و يقلعون عن مخالفته، فما زادهم الا طغيانا كبيرا، قال اللَّه تعالى: وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* وَ قالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ* وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ* وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا