البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
حين
سئل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يدعو لهم ليسقوا لما هم عليه من الجوع و الجهد و القحط، فرفع يديه و قال:
اللَّهمّ اسقنا، اللَّهمّ اسقنا، اللَّهمّ اسقنا،
قال أنس: و لا و اللَّه ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، فأنشأت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال أنس: فلا و اللَّه ما رأينا الشمس سبتنا، و لما سألوه أن يستصحى لهم رفع يده و قال: اللَّهمّ حوالينا و لا علينا، فما جعل يشير بيديه إلى ناحية إلا انحاز السحاب اليها حتى صارت المدينة مثل الإكليل يمطر ما حولها و لا تمطر* فهذا تظليل عام محتاج اليه، آكد من الحاجة الى ذلك، و هو أنفع منه و التصرف فيه و هو يشير أبلغ في المعجز و أظهر في الاعتناء و اللَّه أعلم* و أما إنزال المن و السلوى عليهم فقد كثّر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الطعام و الشراب في غير ما موطن كما تقدم بيانه في دلائل النبوة من إطعام الجم الغفير من الشيء اليسير، كما أطعم يوم الخندق من شويهة جابر بن عبد اللَّه و صاعه الشعير، أزيد من ألف نفس جائعة (صلوات اللَّه و سلامه عليه) دائما إلى يوم الدين* و أطعم من حفنة قوما من الناس و كانت تمد من السماء، إلى غير ذلك من هذا القبيل مما يطول ذكره* و قد ذكر أبو نعيم و ابن حامد أيضا هاهنا أن المراد بالمن و السلوى إنما هو رزق رزقوه من غير كد منهم و لا تعب، ثم أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم و لا يحل لأحد قبلنا، و حديث جابر في سيره إلى عبيدة و جوعهم حتى أكلوا الخبط فحسر البحر لهم عن دابة تسمى العنبر فأكلوا منها ثلاثين من يوم و ليلة حتى سمنوا و تكسرت عن بطونهم، و الحديث في الصحيح كما تقدم، و سيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مريم.
«قصة أبى موسى الخولانيّ» أنه خرج هو و جماعة من أصحابه إلى الحج و أمرهم أن لا يحملوا زادا و لا مزادا فكانوا إذا نزلوا منزلا صلّى ركعتين فيؤتون بطعام و شراب و علف يكفيهم و يكفى دوابهم غداء و عشاء مدة ذهابهم و إيابهم، و أما قوله تعالى: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ الآية فقد ذكرنا بسط ذلك في قصة موسى (عليه السلام) و في التفسير. و قد ذكرنا الأحاديث الواردة في وضع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يده في ذلك الإناء الصغير الّذي لم يسع بسطها فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه أمثال العيون، و كذلك كثر الماء في غير ما موطن، كمزادتى تلك المرأة، و يوم الحديبيّة، و غير ذلك، و قد استسقى اللَّه لأصحابه في المدينة و غيرها فأجيب طبق السؤال وفق الحاجة لا أزيد و لا أنقص و هذا أبلغ في المعجز، و نبع الماء من بين أصابعه من نفس يده، على قول طائفة من العلماء، أعظم من نبع الماء من الحجر فإنه محل لذلك* قال أبو نعيم الحافظ:
فان قيل: إن موسى كان يضرب بعصاه الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا في التيه، قد علم كل أناس