البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - ذكر ردة أهل البحرين و عودهم إلى الإسلام
بلغه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بصق في بئر فغزر ماؤه، فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية: و في أخرى فصار ماؤه أجاجا، و توضأ و سقى بوضوئه نخلا فيبست و هلكت، و أتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رءوسهم فمنهم من قرع رأسه، و منهم من لثغ لسانه، و يقال: إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمى* و قال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري، عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ فقال: مه رسول اللَّه، فقال: لا حتى أراه، فلما جاء قال: أنت مسيلمة؟ فقال:
نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رجس، قال: أ في نور أم في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال أشهد أنك كذاب و أن محمدا صادق، و لكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، و اتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه اللَّه حتى قتل معه يوم عقربا، لا (رحمه اللَّه).
ذكر ردة أهل البحرين و عودهم إلى الإسلام
كان من خبرهم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان قد بعث العلاء بن الحضرميّ إلى ملكها، المنذر بن ساوى العبديّ، و أسلّم على يديه و أقام فيهم الإسلام و العدل، فلما توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، توفى المنذر بعده بقليل، و كان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجعل للمريض شيئا من ماله؟ قال: نعم، الثلث، قال: ما ذا أصنع به؟ قال: إن شئت تصدقت به على أقربائك، و إن شئت على المحاويج، و إن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما، فقال:
إني أكره أن أجعله كالبحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، و لكنى أتصدق به، ففعل، و مات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه، فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين و ملكوا عليهم الغرور، و هو المنذر ابن النعمان بن المنذر. و قال قائلهم: لو كان محمد نبيا ما مات، و لم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا، كانت أول قرية أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس، و قد حاصرهم المرتدون و ضيقوا عليهم، حتى منعوا من الأقوات و جاعوا جوعا شديدا حتى فرج اللَّه، و قد قال رجل منهم يقال له عبد اللَّه بن حذف، أحد بنى بكر بن كلاب، و قد اشتد عليه الجوع:-
ألا أبلغ أبا بكر رسولا* * * و فتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام* * * قعود في جواثا محصرينا
كأن دماءهم في كل فج* * * شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا* * * قد وجدنا الصبر للمتوكلينا
و قد قام فيهم رجل من أشرافهم، و هو الجارود بن المعلى- و كان ممن هاجروا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- خطيبا و قد جمعهم فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتموه،