البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٩ - باب البينة على ذكر معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، و أعلى منها،
عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ* وَ لَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، و قد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب و كيف دعا على قومه فنجاه اللَّه و من اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد، و أغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلّم منهم أحد حتى و لا ولده* قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن على الأنصاري الزملكانى، و من خطه نقلت: و بيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها، إذا تمّ يستدعى كلاما طويلا، و تفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة، و لكن ننبه بالبعض على البعض، فلنذكر جلائل معجزات الأنبياء (عليهم السلام)، فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين، و لا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة، و قد مشى كثير من الأولياء على متن الماء، و في قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما يدل على ذلك، روى منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ دارين، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له، فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده، فقام و صلّى ركعتين و قال: اللَّهمّ إنا عبيدك و في سبيلك، نقاتل عدوك، اللَّهمّ اسقنا غيثا نتوضأ به و نشرب، و لا يكون لأحد فيه نصيب غيرنا، فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه، فتوضأنا منه و تزودنا، و ملأت إداوتي و تركتها مكانها حتى انظر هل استجيب له أم لا، فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابى:
نسيت إداوتي، فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا دارين و البحر بيننا و بينهم، فقال: يا على يا حكيم، إنا عبيدك و في سبيلك، نقاتل عدوك، اللَّهمّ فاجعل لنا إليهم سبيلا، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا، و مشينا على متن الماء و لم يبتل لنا شيء، و ذكر بقية القصة، فهذا أبلغ من ركوب السفينة، فأن حمل الماء للسفينة معتاد، و أبلغ من فلق البحر لموسى، فأن هناك انحسر الماء حتى مشوا على الأرض، فالمعجز انحسار الماء، و ها هنا صار الماء جسدا يمشون عليه كالأرض، و إنما هذا منسوب إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و بركته* انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلق بنوح (عليه السلام)* و هذه القصة التي ساقها شيخنا ذكرها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك ابن أخت سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ فذكره* و قد ذكرها البخاري في التاريخ الكبير من وجه آخر، و رواها البيهقي من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه كان مع العلاء و شاهد ذلك، و ساقها البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد اللَّه عن عون عن أنس بن مالك قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بنى إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا:
ما هن يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتته امرأة مهاجرة و معها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء، و أضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض،