البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - القول فيما أوتى عيسى بن مريم (عليه السلام)
يوسف بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد اللَّه بن أذينة الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معلاة بن جبل قال: أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و هو بخيبر- حمار أسود فوقف بين يديه فقال: من أنت؟ فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة و كلنا ركبنا الأنبياء و أنا أصغرهم، و كنت لك فملكنى رجل من اليهود، و كنت إذ أذكرك عثرت به فيوجعنى ضربا، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فأنت يعفور*
و هذا الحديث فيه نكارة شديدة و لا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه. و قد روى على غير هذه الصفة، و قد نص على نكارته ابن أبى حاتم عن أبيه، و اللَّه أعلم.
القول فيما أوتى عيسى بن مريم (عليه السلام)
و يسمى المسيح، فقيل: لمسحه الأرض، و قيل: لمسح قدمه، و قيل: لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان، و قيل: لمسح جبريل بالبركة، و قيل: لمسح اللَّه الذنوب عنه، و قيل: لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ. حكاها كلها الحافظ أبو نعيم (رحمه اللَّه). و من خصائصه أنه (عليه السلام) مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر، كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى، و كما خلق آدم لا من ذكر و لا من أنثى، و إنما خلقه اللَّه تعالى من تراب ثم قال له: كن فيكون. و كذلك يكون عيسى بالكلمة و بنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى* و من خصائصه و أمه أن إبليس لعنه اللَّه حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح، و من خصائصه أنه حي لم يمت، و هو الآن بجسده في السماء الدنيا، و سينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فيملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما، و يحكم بهذه الشريعة المحمدية، ثم يموت و يدفن بالحجرة النبويّة، كما رواه الترمذي و قد بسطنا ذلك في قصته* و قال شيخنا العلامة ابن الزملكانى (رحمه اللَّه): و أما معجزات عيسى (عليه السلام)، فمنها إحياء الموتى، و للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) من ذلك كثير، و إحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، و قد كلم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الذراع المسمومة، و هذا الأحياء أبلغ من إحياء الإنسان الميت من وجوه، أحدها، أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، و هذا معجز لو كان متصلا بالبدن، الثاني أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية، الثالث أنه أعاد عليه الحياة مع الإدراك و العقل، و لم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الّذي هو جزؤه مما يتكلم [١]، و في هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها اللَّه لإبراهيم (صلى اللَّه عليه و سلم)* قلت: و في حلول الحياة و الإدراك و العقل في الحجر الّذي كان يخاطب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالسلام عليه، كما روى في صحيح مسلّم، من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة، لأنه كان محلا للحياة في وقت، بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك، و كذلك تسليم الأحجار و المدر عليه، و كذلك الأشجار و الأغصان و شهادتها بالرسالة، و حنين
[١] لعل الصواب «و لم يكن هذا الحيوان الّذي هو جزؤه يعقل في حياته و لا مما يتكلم».