البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣١ - ذكر ردة أهل عمان و مهرة و اليمن
جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله و بعث بخمسه إلى الصديق مع شخريت، و أخبره بما فتح اللَّه عليه، و البشارة مع رجل يقال له: السائب، من بنى عابد من مخزوم، و قد قال في ذلك رجل يقال له علجوم:
جزى اللَّه شخريتا و أفناء هاشما* * * و فرضم إذ سارت إلينا الحلائب
جزاء مسيء لم يراقب لذمة* * * و لم يرجها فيما يرجى الأقارب
أ عكرم لو لا جمع قومي و فعلهم* * * لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب
و كنا كمن اقتاد كفا بأختها* * * و حلت علينا في الدهور النوائب
و أما أهل اليمن فقد قدمنا أن الأسود العنسيّ لعنه اللَّه لما نبغ باليمن، أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول و الأديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الإسلام، و أنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح و فيروز الديلميّ، و داذويه، و كان ما قدمنا ذكره، و لما بلغهم موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة و الشك، أجارنا اللَّه من ذلك، و طمع قيس بن مكشوح في الإمرة باليمن، فعمل لذلك، و ارتد عن الإسلام و تابعه عوام أهل اليمن، و كتب الصديق إلى الأمراء و الرؤساء، من أهل اليمن أن يكونوا [عونا إلى] فيروز و الأبناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا، و حرص قيس على قتل الأميرين الأخيرين، فلم يقدر إلا على داذويه، و احترز منه فيروز الديلميّ، و ذلك أنه عمل طعاما و أرسل إلى داذويه أولا، فلما جاءه عجل عليه فقتله، ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لأخرى: و هذا أيضا و اللَّه مقتول كما قتل صاحبه، فرجع من الطريق و أخبر أصحابه بقتل داذويه، و خرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم و ساعدته عقيل، وعك و خلق، و عمد قيس إلى ذراري فيروز و داذويه و الأبناء فأجلاهم عن اليمن، و أرسل طائفة في البر و طائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير، فتصادف هو و قيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا و جنده من العوام، و بقية جند الأسود العنسيّ، فهزموا في كل وجه و أسر قيس و عمرو بن معديكرب، و كان عمرو قد ارتد أيضا، و بايع الأسود العنسيّ، و بعث بهما المهاجر بن أبى أمية إلى أبى بكر أسيرين، فعنفهما و أنبهما، فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما، و وكل سرائرهما إلى اللَّه عز و جل، و أطلق سراحهما و ردهما إلى قومهما، و رجعت عمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته (عليه السلام) بعد حروب طويلة، لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها، و ملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا و حصل في أهلها ردة لبعض الناس، فبعث الصديق إليهم جيوشا و أمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون و المؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من