البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - قصة زيد بن خارجة و كلامه بعد الموت
المدينة- فتوفى بين صلاة الأولى و صلاة العصر فأضجعناه لظهره و غشيناه ببردين و كساء، فأتانى آت في مقامي، و أنا أسبح بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، و قد حضره قوم من الأنصار، و هو يقول أو يقال على لسانه: الأوسط أجلد الثلاثة الّذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين و هو يعافى الناس من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان و بقي أربع، ثم اختلف الناس و أكل بعضهم بعضا فلا نظام و أنتجت الأكماء، ثم ارعوى المؤمنين [١] و قال: كتاب اللَّه و قدره، أيها الناس: أقبلوا على أميركم و اسمعوا و أطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة و هذه النار، و يقول النبيون و الصديقون: سلام عليكم: يا عبد اللَّه بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه و سعدا اللذين قتلا يوم أحد؟ (كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر و تولى و جمع فأوعى) ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه صدق صدق و كان في الكتاب الأول* ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبى نصر بن قتادة عن أبى عمرو بن بجير عن على بن الحسين عن المعافى بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد فذكره و قال: هذا إسناد صحيح* [و قد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلّم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ، حدثني النعمان بن بشير قال: توفى رجل منا يقال له: خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا، فذكر نحو ما تقدم]* قال:
البيهقي: و روى ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير و ذكر بئر أريس، كما ذكرنا في رواية ابن المسيب. قال البيهقي: و الأمر فيها أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) اتخذ خاتما فكان في يده، ثم كان في يد أبى بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس، بعد ما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله، و ظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت:
و هي المرادة من قوله مضت اثنتان و بقي أربع أو مضت أربع و بقي اثنتان، على اختلاف الرواية و اللَّه أعلم* و قد قال البخاري في التاريخ: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، توفى زمن عثمان و هو الّذي تكلم بعد الموت* قال البيهقي: و قد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة و اللَّه أعلم* قال ابن أبى الدنيا: ثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد الطحان عن حصين
[١] كذا بالأصول التي بأيدينا و لعلها «المؤمنون».