البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٨ - القول فيما أوتى إبراهيم الخليل (عليه السلام)
تأكل مواضع السجود* و قد نزل أبو مسلّم بداريّا من غربي دمشق و كان لا يسبقه أحد إلى المسجد الجامع بدمشق وقت الصبح، و كان يغازى ببلاد الروم، و له أحوال و كرامات كثيرة جدا، و قبره مشهور بداريا، و الظاهر أنه مقامه الّذي كان يكون فيه، فأن الحافظ ابن عساكر رجح أنه مات ببلاد الروم، في خلافة معاوية، و قيل: في أيام ابنه يزيد، بعد الستين و اللَّه أعلم* و قد وقع لأحمد بن أبى الحواري من غير وجه أنه جاء إلى أستاذه أبى سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه و أهله ينتظرون ما يأمرهم به، فوجده يكلم الناس و هم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس، ثم أعلمه فلم يلتفت إليه، ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله، فقال: اذهب فاجلس فيه، فذهب أحمد بن أبى الحواري إلى التنور فجلس فيه و هو يتضرم نارا فكان عليه بردا و سلاما، و ما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله: قوموا بنا إلى أحمد بن أبى الحواري، فأنى أظنه قد ذهب إلى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته، فذهبوا فوجدوه جالسا فيه، فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان و أخرجه منه، رحمة اللَّه عليهما و رضى اللَّه عنهما* و قال شيخنا أبو المعالي: و أما إلقاؤه- يعنى إبراهيم (عليه السلام)- من المنجنيق، فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب، و أن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به و أغلقوا الباب، فقال البراء بن مالك: ضعونى على برش و احملوني على رءوس الرماح ثم ألقونى من أعلاها داخل الباب، ففعلوا ذلك و ألقوه عليهم فوقع و قام و قاتل المشركين، و قتل مسيلمة* قلت: و قد ذكر ذلك مستقصى في أيام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة و بنى حنيفة، و كانوا في قريب [من] مائة ألف أو يزيدون، و كان المسلمون بضعة عشر ألفا، فلما التقوا جعل كثير من الأعراب يفرون، فقال المهاجرون و الأنصار: خلصنا يا خالد، فميزهم عنهم، و كان المهاجرون و الأنصار قريبا من ألفين و خمسمائة، فصمموا الحملة و جعلوا يتدابرون و يقولون:
يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم، فهزموهم بأذن اللَّه و لجئوهم إلى حديقة هناك، و تسمى حديقة الموت، فتحصنوا بها، فحصروهم فيها، ففعل البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك- و كان الأكبر- ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها، ثم ألقى نفسه عليهم و نهض سريعا إليهم، و لم يزل يقاتلهم وحده و يقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة و دخل المسلمون يكبرون و انتهوا إلى قصر مسيلمة و هو واقف خارجة عند جدار كأنه جمل أزرق، أي من سمرته، فابتدره وحشي بن حرب الأسود، قاتل حمزة، بحربته، و أبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري- و هو الّذي ينسب اليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكانى- فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه، و جاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله، لكن صرخت جارية من فوق القصر: وا أميراه، قتل العبد الأسود، و يقال: إن عمر مسيلمة يوم قتل مائة و أربعين سنة، لعنه