البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - ذكر الأخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد أيضا
شعرها، واضعة كفها على رأسها تبكى و هي تقول:
ما ذا تقولون إن قال النبي لكم* * * ما ذا فعلتم و أنتم آخر الأمم
بعترتي و بأهلى بعد مفتقدي* * * منهم أسارى و قتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم* * * أن تخلفوني بشر في ذوى رحمي
و سنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء اللَّه، و به الثقة و عليه التكلان* و قد رثاه الناس بمراث كثيرة و من أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابورىّ و كان فيه تشيع:
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد* * * متزملا بدمائه تزميلا
فكأنما بك يا ابن بنت محمد* * * قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا و لم يترقبوا* * * في قتلك التنزيل و التأويلا
و يكبرون بأن قتلت و إنما* * * قتلوا بك التكبير و التهليلا
ذكر الأخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد أيضا
قال يعقوب بن سفيان: حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن فليح عن أبيه عن أيوب بن عبد الرحمن عن أيوب بن بشير المعافري أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خرج في سفر من أسفاره، فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه، و ظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه ما الّذي رأيت؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أما إن ذلك ليس من سفركم هذا، قالوا: فما هو يا رسول اللَّه؟ قال: يقتل بهذه الحرة خيار أمتى بعد أصحابى*
هذا مرسل، و قد قال يعقوب بن سفيان: قال وهب بن جرير: قالت جويرية: حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها قال: لأعطوها، يعنى إدخال بنى حارثة أهل الشام على أهل المدينة* و هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، و تفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء*
و قال نعيم بن حماد في كتاب الفتن و الملاحم: حدثنا أبو عبد الصمد العمى، ثنا أبو عمران الجونى، عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا أبا ذر أ رأيت ان الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف أنت صانع؟ قال قلت: اللَّه و رسوله أعلم، قال: تدخل بيتك، قال قلت: فان أتى عليّ؟ قال: يأتى من أنت منه، قال قلت: و أحمل السلاح؟ قال: إذا تشرك معهم، قال قلت: فكيف أصنع يا رسول اللَّه؟ قال: إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء بإثمك و إثمه* و رواه الإمام أحمد في مسندة عن مرحوم- هو ابن عبد العزيز- عن أبى عمران الجونى، فذكره مطولا
* قلت: و كان سبب وقعة الحرة أن وفدا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم