البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٥ - بعث خالد بن الوليد إلى العراق
الخبر إلى خالد، قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل و أرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة، و سار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار، و هو على تعبئته، فاقتتلوا قتال حنق و حفيظة، و خرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد و ابتدره الشجعان من الأمراء فقتل معقل بن الأعشى بن النباش قارنا، و قتل عدي بن حاتم قباذ، و قتل عاصم أنوشجان، و فرت الفرس و ركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفا و غرق كثير منهم في الأنهار و المياه، و أقام خالد بالمذار و سلم الأسلاب إلى من قتل، و كان قارن قد انتهى شرفه في أبناء فارس* و جمع بقية الغنيمة و خمسها، و بعث بالخمس و الفتح و البشارة إلى الصديق، مع سعيد بن النعمان، أخى بنى عدي بن كعب و أقام خالد هناك حتى قسم أربعة الأخماس و سبى ذراري من حصره من المقاتلة، دون الفلاحين فأنه أقرهم بالجزية و كان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري و كان نصرانيا و مافنّة مولى عثمان و أبو زياد مولى المغيرة بن شعبة* ثم أمر على الجند سعيد بن النعمان و على الجزية سويد ابن مقرّن، و أمره أن ينزل الحفير ليجبى إليه الأموال و أقام خالد يتجسس الأخبار عن الأعداء* ثم كان أمر الولجة في صفر أيضا من هذه السنة، فيما ذكره ابن جرير و ذلك لأنه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار من قبل قارن و أصحابه إلى أردشير و هو ملك الفرس يومئذ، بعث أميرا شجاعا يقال له الأندرزغر، و كان من أبناء السواد ولد بالمدائن و نشأ بها و أمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه، فساروا حتى بلغوا مكانا يقال له: الولجة، فسمع بهم خالد فسار بمن معه من الجنود و وصى من استخلفه هناك بالحذر و قلة الغفلة، فنازل أندرزغر و من ناشب معه، و اجتمع عنده بالولجة، فاقتتلوا قتالا شديدا هو أشد مما قبله، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، و استبطأ كمينه الّذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين، فما كان إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا و من هاهنا، ففرت صفوف الأعاجم فأخذهم خالد من أمامهم و الكمينان من ورائهم، فلم يعرف رجل منهم مقتل صاحبه، و هرب الأندرزغر من الوقعة فمات عطشا، و قام خالد في الناس خطيبا فرغبهم في بلاد الأعاجم و زهدهم في بلاد العرب و قال: ألا ترون ما هاهنا من الأطعمات؟ و باللَّه لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل اللَّه و الدعاء إلى الإسلام و لم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، و نولي الجوع و الإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. ثم خمس الغنيمة، و قسم أربعة أخماسها بين الغانمين، و بعث الخمس إلى الصديق، و أسر من أسر من ذراري المقاتلة، و أقر الفلاحين بالجزية* و قال سيف بن عمر عن عمرو عن الشعبي، قال: بارز خالد يوم الولجة رجلا من الأعاجم يعدل بألف رجل فقتله، ثم اتكأ عليه و أتى بغدائه فأكله و هو متكئ عليه بين الصفين*