البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - فتح خالد للأنبار، و تسمى هذه الغزوة ذات العيون
و من قتل من المسلمين بها و أيام الردة:
سقى اللَّه قتلى بالفرات مقيمة* * * و أخرى بأثباج النجاف الكوانف
و نحن وطئنا بالكواظم هرمزا* * * و بالثنى قرني قارن بالجوارف
و يوم أحطنا بالقصور تتابعت* * * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها و قد كان عرشهم* * * يميل بهم فعل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول و قد رأوا* * * غبوق المنايا حول تلك المحارف
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا* * * إلى الريف من أرض العريب المقانف
و قد قدم جرير بن عبد اللَّه البجلي على خالد بن الوليد و هو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة، و الغنائم المتقدم ذكرها، و لم يحضر شيئا منها، و ذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام، فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه، فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق و قال: أتيتنى لتشغلنى عما هو أرضى للَّه من الّذي تدعوني إليه، ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق* قال سيف بأسانيده: ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا و بسما و ما حول ذلك على عشرة آلاف دينار، و جاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم و أهاليهم كما صالح أهل الحيرة، و اتفق في تلك الأيام التي كان قد تمكن بأطراف العراق و استحوذ على الحيرة و تلك البلدان و أوقع بأهل أليس و الثني و ما بعدها بفارس و من ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم، أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير و ابنه شيرين فقتلوهما و قتلوا كل من ينسب إليهما، و بقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم، و اختلفوا فيما بينهم، غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد و بين المدائن التي فيها إيوان كسرى و سرير مملكته، فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة و الأمراء و الدولة يدعوهم إلى اللَّه و إلى الدخول إلى دين الإسلام ليثبت ملكهم عليهم، و إلا فليدفعوا الجزية و إلا فليعلموا و ليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة، فجعلوا يعجبون من جرأة خالد و شجاعته، و يسخرون من ذلك لحماقتهم و رعونتهم في أنفسهم، و قد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس ها هنا و هاهنا، و يوقع بأهلها من البأس الشديد، و السطوة الباهرة، ما يبهر الأبصار لمن شاهد ذلك و يشنف أسماع من بلغه ذلك و يحير العقول لمن تدبره.
فتح خالد للأنبار، و تسمى هذه الغزوة ذات العيون
ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الأنبار و عليها رجل من أعقل الفرس و أسودهم في أنفسهم، يقال له شيرزاذ، فأحاط بها خالد و عليها خندق و حوله أعراب من قومهم على دينهم، و اجتمع