البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - ذكر ردة أهل عمان و مهرة و اليمن
و ألجأهما إلى أطرافها، من نواحي الجبال و البحر، فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر و استجاشه، فبعث إليه الصديق بأميرين و هما حذيفة بن محصن الحميري، و عرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان، و عرفجة إلى مهرة، و أمرهما أن يجتمعا و يتفقا و يبتدئا بعمان، و حذيفة هو الأمير، فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير* و قد قدمنا أن عكرمة بن أبى جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة و أتبعه بشرحبيل بن حسنة، عجل عكرمة و ناهض مسيلمة قبل مجيء شرحبيل ليفوز بالظفر وحده، فناله من مسيلمة قرح و الذين معه، فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد، فقهر مسيلمة كما تقدم، و كتب إليه الصديق يلومه على تسرعه، قال: لا أرينك و لا أسمعن بك الا بعد بلاء، و أمره أن يلحق بحذيفة و عرفجة إلى عمان، و كل منكم أمير على جيشه و حذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس، فإذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة، فإذا فرغتم منها فاذهب إلى اليمن و حضرموت فكن مع المهاجر بن أبى أمية، و من لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت و اليمن فنكل به، فسار عكرمة لما أمره به الصديق، فلحق حذيفة و عرفجة قبل أن يصلا إلى عمان، و قد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها، فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا، و بلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش، فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له: دبا، و هي مصر تلك البلاد و سوقها العظمى، و جعل الذراري و الأموال وراء ظهورهم، ليكون أقوى لحربهم، و اجتمع جيفر و عباد بمكان يقال له صحار، فعسكرا به و بعثا الى أمراء الصديق فقدموا على المسلمين، فتقابل الجيشان هنالك، و تقاتلوا قتالا شديدا، و ابتلى المسلمون و كادوا أن يولوا، فمن اللَّه بكرمه و لطفه أن بعث إليهم مددا، في الساعة الراهنة من بنى ناجية و عبد القيس، في جماعة من الأمراء، فلما و صلوا إليهم كان الفتح و النصر، فولى المشركون مدبرين، و ركب المسلمون ظهورهم فقتلوا منهم عشرة آلاف مقاتل و سبوا الذراري و أخذوا الأموال و السوق بحذافيرها، و بعثوا بالخمس إلى الصديق رضى اللَّه عنه مع أحد الأمراء، و هو عرفجة، ثم رجع إلى أصحابه. و أما مهرة فأنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا، سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة، بمن معه من الجيوش و من أضيف إليها، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوجدهم جندين على أحدهما- و هم الأكثر- أمير يقال له: المصبّح، أحد بنى محارب، و على الجند الآخر أمير يقال له: شخريت، و هما مختلفان، و كان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه و انضاف إلى عكرمة فقوى بذلك المسلمون، و ضعف جأش المصبح، فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى اللَّه و إلى السمع و الطاعة، فاغتر بكثرة من معه و مخالفة لشخريت، فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم، ثم فتح اللَّه بالظفر و النصر، ففر المشركون و قتل المصبح، و قتل خلق كثير من قومه، و غنم المسلمون أموالهم، فكان في