البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٧ - خروج الأسود العنسيّ
شهرا حتى بلغا ما جاءا له، ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك،
فقال لهما: ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربى قد قتل الليلة ربه،
فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال:
أحصوا تلك الليلة، فان ظهر الأمر كما قال فهو نبي، فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا و كذا، لتلك الليلة، و كان قد قتله بنوه و لهذا قال بعض الشعراء:
و كسرى إذ تقاسمه بنوه* * * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم* * * أنى و لكل حاملة تمام
و قام بالملك بعده ولده يزدجرد و كتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك، و اعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه و أكرمه، فدخل الإسلام في قلب باذام و ذريته من أبناء فارس ممن باليمن، و بعث إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بإسلامه، فبعث إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنيابة اليمن بكمالها، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء و بعض مخاليف، و بعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر، فبعث أولا في سنة عشر، عليا و خالدا، ثم أرسل معاذا و أبا موسى الأشعري و فرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة، فمنهم شهر بن باذام، و عامر بن شهر الهمدانيّ، على همدان، و أبو موسى على ما رب، و خالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران و رفع و زبيد، و يعلى ابن أمية على الجند، و الطاهر بن أبى هالة على عل و الأشعريين، و عمرو بن حرام على نجران، و على بلاد حضرموت زياد بن لبيد، و على السكاسك عكاشة بن مور بن أخضر، و على السكون معاوية بن كندة، و بعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين- اليمن و حضرموت- يتنقل من بلد إلى بلد، ذكره سيف بن عمر، و ذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا اللعين الأسود العنسيّ.
خروج الأسود العنسيّ
و اسمه عبهلة بن كعب بن غوث- من بلد يقال لها: كهف حنان- في سبعمائة مقاتل، و كتب إلى عمال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أيها المتمردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، و وفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، و أنتم على ما أنتم عليه، ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء، فخرج اليه شهر بن باذام فتقاتلا، فغلبه الأسود و قتله، و كسر جيشه من الأبناء و احتل بلدة صنعاء لخمس و عشرين ليلة من مخرجه، ففر معاذ بن جبل من هنالك و اجتاز بأبي موسى الأشعري، فذهبا الى حضرموت و انحاز عمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الطاهر، و رجع عمر بن حرام و خالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة، و استوثقت اليمن بكمالها للأسود العنسيّ، و جعل أمره يستطير استطارة الشرارة، و كان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس، و أمراؤه قيس بن عبد يغوث و معاوية