البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - خروج الأسود العنسيّ
ازاذ، فقلت: يا ابنة عمى قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك، قتل زوجك، و طأطأ في قومك القتل، و فضح النساء، فهل عندك ممالأة عليه؟ قالت: على أي أمر، قلت إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم، و اللَّه ما خلق اللَّه شخصا هو أبغض إليّ منه، فما يقوم للَّه على حق و لا ينتهى له عن حرمة، فإذا عزمتم أخبرونى أعلمكم بما في هذا الأمر، قال فأخرج فإذا فيروز و داذويه، ينتظر انى يريدون أن يناهضوه، فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود فدخل في عشرة من قومه، فقال: أ لم أخبرك بالحق و تخبرني بالكذابة؟ إنه يقول: يا سوأة يا سوأة، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا، حتى ظن قيس أنه قاتله، فقال: إنه ليس من الحق، أن أهلك و أنت رسول اللَّه، فقتلى أحب إليّ من موتات أموتها كل يوم، فرق له و أمره بالانصراف، فخرج إلى أصحابه فقال: اعملوا عملكم، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون، إذ خرج الأسود عليهم و قد جمع له مائة ما بين بقرة و بعير، فقام و خط خطا و أقيمت من ورائه، و قام دونها، فنحرها، غير محبسة و لا معقلة، ما يقتحم الخط منها شيء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها، قال قيس: فما رأيت أمرا كان أفظع منه، و لا يوما أوحش منه، ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة، و أبدى له الحربة، فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك، و فضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف و قد اجتمع لنا بك أمر الآخرة و الدنيا؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك، فأنا بحيث تحب، فرضى عنه و أمره بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء، ثم أسرع اللحاق به، فإذا رجل يحرضه على فيروز و يسعى إليه فيه، و استمع له فيروز، فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدا و أصحابه، فاغد عليّ به، ثم التفت فإذا فيروز، فقال: مه، فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم، فدخل الأسود داره، و رجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع و بما قال و قيل له، فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره، فدخل أحدهم- و هو فيروز- إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا و الحرس محيطون به، غير هذا البيت، فأن ظهره إلى مكان كذا و كذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس، و ليس من دون قتله شيء، و إني سأضع في البيت سراجا و سلاحا، فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي؟ و وجأ رأسه، و كان الأسود شديدا، فصاحت المرأة فأدهشته عنه، و لو لا ذلك لقتله، و قالت: ابن عمى جاءني زائرا، فقال: اسكتي لا أبا لك، قد وهبته لك، فخرج على أصحابه فقال: النجاء النجاء، و أخبرهم الخبر، فحاروا ما ذا يصنعون؟ فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه، فدخل عليها فيروز الديلميّ فاستثبت منها الخبر، و دخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندهما