البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٠ - قصة أخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرميّ
فغمضه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه، فأعلمها فأعلمتها، قال:
فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما ثم قالت: اللَّهمّ إني أسلمت لك طوعا، و خلعت الأوثان، فلا تحمّلني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحمله، قال: فو اللَّه ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه و ألقى الثوب عن وجهه، و عاش حتى قبض اللَّه رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و حتى هلكت أمه، قال أنس:
ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا و استعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: و كنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، و الحر شديد، فجهدنا العطش و دوابنا، و ذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء و ما نرى في السماء شيئا، قال: فو اللَّه ما حط يده حتى بعث اللَّه ريحا و أنشأ سحابا و أفرغت حتى ملأت الغدر و الشعاب، فشربنا و سقينا ركابنا و استقينا، قال: ثم أتينا عدونا و قد جاوز خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج و قال: يا على يا عظيم، يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم اللَّه، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه، فقتلنا و أسرنا و سبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، ثم ذكر موت العلاء و دفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثم، و إذا اللحد يتلألأ نورا، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا* فهذا السياق أتم، و فيه قصة المرأة التي أحيى اللَّه لها ولدها بدعائها، و سننبه على ذلك فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مريم، مع ما يشابهها إن شاء اللَّه تعالى، كما سنشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنورده معها هاهنا، فيما يتعلق بمعجزات موسى (عليه السلام)، في قصة فلق البحر لبني إسرائيل، و قد أرشد إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه*
قصة أخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرميّ
روى البيهقي في الدلائل- و قد تقدم ذلك أيضا- من طريق سليمان بن مروان الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة و هي مادة و الأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم اللَّه، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم اللَّه، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فنظر إليهم الأعاجم و قالوا: ديوان، ديوان، أي مجانين، ثم ذهبوا على وجوههم، قال فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم و اقتسموا، فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء ببيضاء؟ و قد ذكرنا في السيرة العمرية و أيامها، و في التفسير أيضا: أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعى أمير الجيوش في أيام عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، و أنه نظر إلى دجلة فتلا قوله تعالى: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ثم سمى اللَّه تعالى و اقتحم بفرسه الماء و اقتحم الجيش وراءه، و لما نظر إليهم الأعاجم يفعلون ذلك جعلوا يقولون: ديوان ديوان، أي