البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٩ - فصل
عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: نظر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل اليمن فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللَّهمّ أقبل بقلوبهم، و بارك لنا في صاعنا و مدنا*
و هكذا وقع الأمر، أسلّم أهل اليمن قبل أهل الشام، ثم كان الخير و البركة قبل العراق، و وعد أهل الشام بالدوام على الهداية و القيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر* و روى أحمد في مسندة: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، و يتحول شرار أهل الشام إلى العراق.
فصل
و روى مسلّم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار: حدثني إياس ابن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشماله، فقال له: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما يمنعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه*
و قد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال: أبصر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشر بن راعى العير و هو يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، قال: فما وصلت يده إلى فيه بعد*
و ثبت في صحيح مسلّم من حديث شعبة عن أبى حمزة عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاختبأت منه، فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين و أرسلنى إلى معاوية في حاجة، فأتيته و هو يأكل، فقلت: أتيته و هو يأكل، فأرسلنى الثانية فأتيته و هو يأكل، فقلت: أتيته و هو يأكل، فقال: لا أشبع اللَّه بطنه*
و قد روى البيهقي عن الحاكم عن على بن حماد عن هشام ابن على عن موسى بن إسماعيل: حدثني أبو عوانة عن أبى حمزة: سمعت ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول اللَّه قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلى، فذهبت فاختبأت على باب، فجاء فحطاني خطوة و قال: اذهب فادع لي معاوية- و كان يكتب [١] الوحي- قال: فذهبت فدعوته له فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه لي، فأتيته الثانية، فقيل إنه يأكل، فأتيت رسول اللَّه فأخبرته فقال في الثانية: لا أشبع اللَّه بطنه [٢]، قال: فما شبع بعدها،
قلت: و قد كان معاوية رضى اللَّه عنه لا يشبع بعدها، و وافقته هذه الدعوة في أيام إمارته، فيقال:
إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم، و كان يقول: و اللَّه لا أشبع و إنما أعيى* و قدمنا في غزوة تبوك أنه مرّ بين أيديهم و هم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها* و جاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في كلام و اختلج بوجهه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): كن كذلك، فلم
[١] في التيمورية «يثبت».
[٢] في التيمورية «لا أشبعه اللَّه».