البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٧ - فصل
بنى عجل، و كان دليلا صارما، فلما بلغ الصديق الرسالة و أدى الأمانة، أثنى عليه و أجازه جارية من السبي، و قال الصديق: يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد [فغلبه على خراذيله]، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد. ثم جرت أمور طويلة لخالد في أماكن متعددة يمل سماعها، و هو مع ذلك لا يكل و لا يمل و لا يهن و لا يحزن، بل كلما له في قوة و صرامة و شدة و شهامة، و مثل هذا إنما خلقه اللَّه عزا للإسلام و أهله، و ذلا للكفر و شتات شمله.
فصل
ثم سار خالد فنزل الخورنق و السدير و بالنجف و بث سراياه هاهنا و هاهنا، يحاصرون الحصون من الحيرة و يستنزلون أهلها قسرا و قهرا، و صلحا و يسرا، و كان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بقيلة المتقدم ذكره، و كتب لأهل الحيرة كتاب أمان، فكان الّذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح ابن نقيلة و وجد خالد معه كيسا، فقال: ما في هذا؟- و فتحه خالد فوجد فيه شيئا-، فقال ابن بقيلة: هو سم ساعة، فقال: و لم استصحبته معك؟ فقال حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلى من ذلك، فأخذه خالد في يده و قال: إنه لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها، ثم قال: بسم اللَّه خير الأسماء، رب الأرض و السماء، الّذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم، قال: و أهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه، فلما رأى ذلك ابن بقيلة قال: و اللَّه يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد، ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالا من هذا، ثم دعاهم و سألوا خالدا الصلح فصالحهم و كتب لهم كتابا بالصلح، و أخذ منهم أربعمائة ألف درهم عاجلة، و لم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل، و ذلك أنه
لما ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قصور الحيرة كان شرفها أنياب الكلاب فقال له: يا رسول اللَّه هب لي ابنة بقيلة، فقال: هي لك،
فلما فتحت ادعاها شويل و شهد له اثنان من الصحابة، فامتنعوا من تسليمها إليه و قالوا: ما تريد إلى امرأة ابنة ثمانين سنة؟ فقالت لقومها: ادفعوني إليه فأنى سأفتدي منه، و إنه قد رآني و أنا شابة، فسلمت إليه فلما خلا بها قالت:
ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة؟ و أنا أفتدي منك فاحكم بما أردت، فقال: و اللَّه لا أفديك بأقل من عشر مائة فاستكثرتها خديعة منها، ثم أتت قومها فأحضروا له ألف درهم، و لامه الناس و قالوا:
لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك، فقال: و هل عدد أكثر من عشر مائة؟ و ذهب إلى خالد و قال: إنما أردت أكثر العدد، فقال خالد: أردت أمرا و أراد اللَّه غيره، و إنا نحكم بظاهر قولك، و نيتك عند اللَّه، كاذبا أنت أم صادقا* و قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي:
لما افتتح خالد الحيرة صلّى ثماني ركعات بتسليمة واحدة، و قد قال عمرو بن القعقاع في هذه الأيام