البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي
يومين ثم لحقه رسول اللَّه الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصل البطاح و عليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بنى تميم بالسمع و الطاعة، و بذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فأنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه و أسروا معه أصحابه، و اختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة- الحرث بن ربعي الأنصاري- أنهم أقاموا الصلاة، و قال آخرون: إنهم لم يؤذنوا و لا صلوا، فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد، فنادى منادى خالد: أن أدفئوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتلوهم، و قتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة، فلما سمع الداعية خرج و قد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد اللَّه أمرا أصابه* و اصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة، و هي أم تميم ابنة المنهال، و كانت جميلة، فلما حلت بنى بها، و يقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، و على منعه الزكاة، و قال: أ لم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أ هو صاحبنا و ليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه، فضربت عنقه، و أمر برأسه فجعل مع حجرين و طبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب، من المرتدة و غيرهم، و يقال: إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر و لم تفرغ الشعر لكثرته، و قد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع و تقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، و تكلم عمر مع أبى قتادة في خالد، و قال للصديق: اعزله فأن في سيفه رهقا، فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله اللَّه على الكفار، و جاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا، و عمر يساعده و ينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده، و من قول متمم في ذلك:
و كنا كندمانى جذيمة برهة* * * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
و عشنا بخير ما حيينا و قبلنا* * * أباد المنايا قوم كسرى و تبعا
فلما تفرقنا كأنى و مالكا* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
و قال أيضا:
لقد لا منى عند العبور على البكى* * * رفيقي لتذراف الدموع السوافك
و قال أ تبكي كل قبر رأيته* * * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له انّ الأسى يبعث الأسى* * * فدعني فهذا كله قبر مالك
و المقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يحرض الصديق و يذمره على عزل خالد عن الإمرة و يقول: إن في سيفه لرهقا، حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة، و قد لبس درعه التي من حديد، و قد صدئ من كثرة الدماء، و غرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء،