البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١١ - فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة و مانعي الزكاة
و التمسك بدين الإسلام إلا الصديق رضى اللَّه عنه، و سيأتي إرساله إليهم من يمهد الأمور التي اضطربت في بلادهم و يقوى أيدي المسلمين، و يثبت أركان دعائم الإسلام فيهم، رضى اللَّه عنهم*
فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة و مانعي الزكاة
قد تقدم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما توفى ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب، و نجم النفاق بالمدينة و انحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة و خلق كثير باليمامة، و التفت على طليحة الأسدي بنو أسد و طيِّئ، و بشر كثير أيضا، و ادعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب، و عظم الخطب و اشتدت الحال، و نفذ الصديق جيش أسامة، فقل الجند عند الصديق، فطمعت كثير من الأعراب في المدينة و راموا أن يهجموا عليها، فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها، فمن أمراء الحرس على بن أبى طالب، و الزبير بن العوام، و طلحة بن عبد اللَّه، و سعد بن أبى وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللَّه بن مسعود، و جعلت وفود العرب تقدم المدينة. يقرون بالصلاة و يمتنعون من أداء الزكاة، و منهم من امتنع من دفعها إلى الصديق، و ذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ قالوا: فلسنا ندفع زكاتنا الا إلى من صلاته سكن لنا، و أنشد بعضهم:
أطعنا رسول اللَّه إذ كان بيننا* * * فوا عجبا ما بال ملك أبى بكر
و قد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم و ما هم عليه من منع الزكاة و يتألفهم حتى يتمكن الايمان في قلوبهم: ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق من ذلك و أباه*
و قد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: علام تقاتل الناس؟ و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها؟
فقال أبو بكر: و اللَّه لو منعونى عناقا، و في رواية: عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لأقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال، و اللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة و الزكاة، قال عمر: فما هو الا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق* قلت: و قد قال اللَّه تعالى فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ و ثبت في الصحيحين: بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حج البيت، و صوم رمضان* و قد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة ابن سوار: ثنا عيسى بن يزيد المديني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر