البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة و مانعي الزكاة
منكم على بريد، و قد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم و نوادعهم و قد أبينا عليهم، فاستعدوا و أعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة، و خلفوا نصفهم بذي حسي ليكونوا ردءا لهم، و أرسل الحرس إلى أبى بكر يخبرونه بالغارة، فبعث إليهم: أن الزموا مكانكم. و خرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشّ العدو و اتبعهم المسلمون على إبلهم، حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع الجمع فكان الفتح و قد قال:
أطعنا رسول اللَّه ما كان وسطنا* * * فيا لعباد اللَّه ما لأبى بكر
أ يورثنا بكرا إذا مات بعده* * * و تلك لعمر اللَّه قاصمة الظهر
فهلا رددتم و فدنا بزمانه؟* * * و هلا خشيتم حسّ راعية البكر؟
و إن التي سألوكمو فمنعتمو* * * لكالتمر أو أحلى إليّ من التمر
و في جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة و أمراء الأنقاب، إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها، فلما تواجه هو و أعداؤه من بنى عبس، و بنى مرة، و ذبيان، و من ناصب معهم من بنى كنانة، و أمدهم طليحة بابنه حبال، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة و هي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رءوس الجبال، فلما رأتها إبل أصحاب الصديق نفرت و ذهبت كل مذهب، فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل، و حتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخطيل بن أوس:
فدى لبني ذبيان رحلي و ناقتي* * * عشية يحدى بالرماح أبو بكر
و لكن يدهدى بالرجال فهبنه* * * الى قدر ما أن تقيم و لا تسرى
و للَّه أجناد تذاق مذاقه* * * لتحسب فيما عد من عجب الدهر
أطعنا رسول اللَّه ما كان بيننا* * * فيا لعباد اللَّه ما لأبى بكر
فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن، و بعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر، فاجتمعوا، و بات أبو بكر رضى اللَّه عنه قائما ليله يعبئ الناس، ثم خرج على تعبئة من آخر الليل، و على ميمنته النعمان ابن مقرّن، و على الميسرة أخوه عبد اللَّه بن مقرن، و على الساقة أخوهما سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا و هم و العدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسا و لا همسا، حتى وضعوا فيهم السيوف، فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار، و غلبوهم على عامة ظهرهم، و قتل حبال، و اتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، و كان أول الفتح، و ذل بها المشركون، و عز بها المسلمون، و وثب بنو ذبيان و عبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، و فعل من وراءهم كفعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين و زيادة، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي: