البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٢ - ذكر من توفى في هذه السنة
المرتدين، و للَّه الحمد و المنة، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، و غنموا مغانم كثيرة، فيتقوون بذلك على من هنالك، و يبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا و يستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الأعاجم و الروم، على ما سيأتي تفصيله* و لم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة للَّه و لرسوله، و أهل ذمة من الصديق، كأهل نجران و ما جرى مجراهم، و للَّه الحمد، و عامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة و أوائل سنة ثنتى عشرة* و لنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفى في هذه السنة من الأعيان و المشاهير و باللَّه المستعان، و فيها رجع معاذ بن جبل من اليمن. و فيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنهما.
ذكر من توفى في هذه السنة
أعنى سنة إحدى عشرة من الأعيان و المشاهير و ذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم، و إن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتى عشرة* توفى فيها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) محمد بن عبد اللَّه سيد ولد آدم في الدنيا و الآخرة، و ذلك في ربيعها الأول يوم الاثنين ثانى عشره على المشهور، كما قدمنا بيانه، و بعده بستة أشهر على الأشهر، توفيت ابنته فاطمة رضى اللَّه عنها، و تكنى بأم أبيها، و قد كان (صلوات اللَّه و سلامه عليه) عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به، و قال لها مع ذلك: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ و كانت أصغر بنات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) على المشهور و لم يبق بعده سواها، فلهذا عظم أجرها لأنها أصيبت به (عليه السلام) و يقال إنها كانت توأما لعبد اللَّه ابن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ليس له (عليه السلام) نسل إلا من جهتها، قال الزبير ابن بكار: و قد روى أنه (عليه السلام) ليلة زفاف عليّ على فاطمة توضأ و صب عليه و على فاطمة و دعا لهما أن يبارك في نسلهما، و قد تزوجها ابن عمها على بن أبى طالب بعد الهجرة، و ذلك بعد بدر و قيل بعد أحد، و قيل بعد تزويج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عائشة بأربعة أشهر و نصف، و بنى بها بعد ذلك بسبعة أشهر و نصف، فأصدقها درعه الحطمية و قيمتها أربعمائة درهم، و كان عمرها إذ ذاك خمس عشرة سنة و خمسة أشهر، و كان على أسن منها بست سنين. و قد وردت أحاديث موضوعة في تزويج على بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها* فولدت له حسنا و حسينا و محسنا و أم كلثوم- التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك-
و قد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن على أن رسول اللَّه لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة و وسادة من أدم حشوها ليف، و رحى و سقاء و جرتين، فقال على لفاطمة ذات يوم: و اللَّه لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، و قد جاء اللَّه أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: و أنا و اللَّه لقد طحنت حتى محلت يداي، فأتت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما جاء بك