البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - حديث آخر عن أنس يشبه هذا
حديث آخر عن أنس يشبه هذا
روى البيهقي من حديث الحافظ أبى يعلى الموصلي: ثنا شيبان، ثنا سعيد بن سليمان الضبعي، ثنا أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر فقال لهم: جدوا السير فان بينكم و بين المشركين ماء إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس و عطشتم عطشا شديدا أنتم و دوابكم، قال: و تخلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في ثمانية أنا تاسعهم، و قال لأصحابه: هل لكم أن نعرس قليلا ثم نلحق بالناس؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس، فاستيقظ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استيقظ أصحابه، فقال لهم: تقدموا و اقضوا حاجاتكم، ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال لهم: هل مع أحد منكم ماء؟ قال رجل منهم: يا رسول اللَّه معى ميضأة فيها شيء من ماء، قال: فجئ بها: فجاء بها فأخذها نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمسحها بكفيه و دعا بالبركة فيها و قال لأصحابه:
تعالوا فتوضئوا، فجاءوا و جعل يصب عليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى توضئوا كلهم، فأذن رجل منهم و أقام فصلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لهم و قال لصاحب الميضأة ازدهر بميضأتك ازدهر بميضأتك فسيكون لها شأن، و ركب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل الناس و قال لأصحابه: ما ترون الناس فعلوا؟ فقالوا: اللَّه و رسوله أعلم. فقال لهم: فيهم أبو بكر و عمرو سيرشد الناس، فقدم الناس و قد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق ذلك على الناس و عطشوا عطشا شديدا ركابهم و دوابهم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أين صاحب الميضأة؟ قالوا: هو هذا يا رسول اللَّه، قال جئني بميضأتك، فجاء بها و فيها شيء من ماء، فقال لهم: تعالوا فاشربوا، فجعل يصب لهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى شرب الناس كلهم و سقوا دوابهم و ركابهم و ملئوا ما كان معهم من إداوة و قربة و مزادة،
ثم نهض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلى المشركين، فبعث اللَّه ريحا فضرب وجوه المشركين و أنزل اللَّه نصره و أمكن من ديارهم فقتلوا مقتلة عظيمة، و أسروا أسارى كثيرة، و استاقوا غنائم كثيرة، و رجع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الناس وافرين صالحين* و قد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا و هو في صحيح مسلم*
و قدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل. فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال: و قال- يعنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)-: إنكم ستأتون غدا إن شاء اللَّه عين تبوك، و إنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى، قال: فجئناها و قد سبق إليها رجلان و العين مثل الشراك تبض بشيء، فسألهما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا:
نعم، فسبهما و قال لهما: ما شاء اللَّه أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجهه و يديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا* و ذكرنا في باب الوفود