البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - قصة أخرى
ما يأخذ النساء و لم يعلم بى أحد من القوم، ذكر و لا أنثى، و إني لوحيدة في المنزل و عبد المطلب في طوافه، قالت: فسمعت وجبة شديدة، و أمرا عظيما، فهالني ذلك، و ذلك يوم الإثنين، و رأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب و كل فزع و وجل كنت أجد، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا، و كنت عطشانة، فتناولتها فشربتها فأصابنى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بى، فبينا أنا أعجب و أقول: وا غوثاه، من أين علمن بى؟ و اشتد بى الأمر و أنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم و أهول، و إذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء و الأرض، و إذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس، قالت: رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة و أنا يرشح منى عرق كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر، و أنا أقول:
ياليت عبد المطلب قد دخل على، قالت: و رأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد، و أجنحتها من اليواقيت، فكشف اللَّه لي عن بصيرتي، فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض و مغاربها، و رأيت ثلاث علامات مضروبات، علم بالمشرق، و علم بالمغرب، و علم على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض و اشتد بى الطلق جدا، فكنت كأنى مسندة إلى أركان النساء، و كثرن على حتى كأنى مع البيت و أنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد و قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن عيني، فسمعت مناديا ينادى يقول: طوفوا بمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) شرق الأرض و غربها، و أدخلوه البحار كلها، ليعرفوه باسمه و نعته و صورته، و يعلموا أنه سمى الماحي، لا يبقى شيء من الشرك إلا محي به، قالت: ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، و تحته حريرة خضراء، و قد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، و إذا قائل يقول: قبض محمد مفاتيح النصر، و مفاتيح الريح، و مفاتيح النبوة* هكذا أورده و سكت عليه، و هو غريب جدا* و قال الشيخ جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصرى، الماهر الحافظ للأحاديث و اللغة، ذو المحبة الصادقة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضى اللَّه عنه، و في ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد كان ضرير البصر، بصير البصيرة، و كانت وفاته ببغداد في سنة ست و خمسين و ستمائة، قتله التتار في كل بنت [١] بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه، في كتابنا هذا إن شاء اللَّه تعالى، و به الثقة، و عليه التكلان، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه:
محمد المبعوث للناس رحمة* * * يشيد ما أوهى الضلال و يصلح
[١] كذا بالأصل.