البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٧ - قصة أخرى
طعام لنا و علف لدوابنا، قال: فقال لهم: نعم، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلّى فيه ركعتين، ثم جثى على ركبتيه فقال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، و إنما خرجت آمرا لك، و قد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، و إنا أضيافك و زوارك، فأطعمنا، و اسقنا، و اعلف دوابنا، قال: فأتى بسفرة مدت بين أيديهم، و جيء بجفنة من ثريد، و جيء بقلتين من ماء، و جيء بالعلف لا يدرون من يأتى به، فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زادا و لا مزادا* فهذه حال و لي من هذه الأمة، نزل عليه و على أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء و العلوفة لدواب أصحابه، و هذا اعتناء عظيم، و إنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة و التسليم* و أما قوله عن عيسى بن مريم (عليه السلام): إنه قال لبني إسرائيل وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ الآية، فهذا شيء يسير على الأنبياء، بل و على كثير من الأولياء، و قد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي الآية. و قد أخبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالأخبار الماضية طبق ما وقع و عن الاخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الأرضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بنى هاشم و بنى المطلب حتى يسلموا اليهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كتبوا بذلك صحيفة و علقوها في سقف الكعبة، فأرسل اللَّه الأرضة فأكلتها إلا مواضع اسم اللَّه تعالى، و في رواية: فأكلت اسم اللَّه منها تنزيها لها أن تكون مع الّذي فيها من الظلم و العدوان، فأخبر بذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمه أبا طالب و هم بالشعب، فخرج إليهم أبو طالب و قال لهم عما أخبرهم به، فقالوا: إن كان كما قال و إلا فسلموه إلينا، فقالوا: نعم، فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سواء بسواء، فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم و بنى المطلب، و هدى اللَّه بذلك خلقا كثيرا، و كم له مثلها كما تقدم بسطه و بيانه في مواضع من السيرة و غيرها و للَّه الحمد و المنة*
و في يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له، فقال له: فأين المال الّذي دفنته أنت و أم الفضل تحت أسكفة الباب، و قلت لها: إن قتلت فهو للصبية؟ فقال: و اللَّه يا رسول اللَّه إن هذا شيء لم يطلع عليه غيري و غير أم الفضل إلا اللَّه عز و جل*
و أخبر بموت النجاشي يوم مات و هو بالحبشة، و صلّى عليه، و أخبر عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد و هو على المنبر و عيناه تذرفان، و أخبر عن الكتاب الّذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بنى عبد المطلب، و أرسل في طلبها عليا و الزبير و المقداد، فوجدوها قد جعلته في عقاصها، و في رواية في حجزتها، و قد تقدم ذلك في غزوة الفتح، و قال لأميرى كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن ربى قد قتل الليلة ربكما،