البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - باب تكثيره (عليه السلام) الأطعمة للحاجة إليها في غير ما موطن كما سنورده مبسوطا
يا رسول اللَّه، قال: انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال و أهل الصفة أضياف الإسلام لم يأووا إلى أهل و لا مال إذا جاءت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هدية أصاب منها و بعث إليهم منها و إذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم و لم يصب منها- قال: و أحزننى ذلك و كنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومى و ليلتي، و قلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الّذي أعطيهم، و قلت: ما يبقى لي من هذا اللبن و لم يكن من طاعة اللَّه و طاعة رسوله بدّ، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: أبا هر خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، و دفعت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأخذ القدح فوضعه في يده و بقي فيه فضلة ثم رفع رأسه و نظر إلى و تبسم و قال: أبا هر، فقلت لبيك رسول اللَّه قال: بقيت أنا و أنت، فقلت: صدقت يا رسول اللَّه قال: فاقعد فاشرب، قال: فقعدت فشربت ثم قال لي: اشرب، فشربت، فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا و الّذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا، قال: ناولني القدح، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة* و رواه البخاري عن أبى نعيم و عن محمد بن مقاتل عن عبد اللَّه بن المبارك.
و أخرجه الترمذي عن عباد بن يونس بن بكير ثلاثتهم عن عمر بن ذرّ و قال الترمذي: صحيح*
و قال الامام أحمد: ثنا أبو بكر بن عياش، حدثني عن زر عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط فمرّ بي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن؟ قال: فقلت: نعم و لكنى مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب و سقى أبا بكر، ثم قال للضرع:
اقلص، فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول اللَّه علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي و قال: يا غلام يرحمك اللَّه، فإنك عليم معلم* و رواه البيهقي من حديث أبى عوانة عن عاصم عن أبى النجود عن زر عن ابن مسعود، و قال فيه: فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها و يدعو، و أتاه أبو بكر بجفنة فحلب فيها و سقى أبا بكر ثم شرب، ثم قال للضرع: اقلص فقلص فقلت: يا رسول اللَّه علمني من هذا القول، فمسح رأسي و قال: إنك غلام معلم،
فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر* و تقدم في الهجرة حديث أم معبد و حلبة (عليه السلام) شاتها، و كانت عجفاء لا لبن لها فشرب هو و أصحابه و غادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها* و تقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه (عليه السلام) المقداد بن الأسود حين شرب اللبن الّذي كان قد جاء لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قام في الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ما ملأ منه إناء كبيرا جدا، الحديث*
و قال أبو داود الطيالسي: ثنا زهير عن أبى إسحاق عن ابنة حباب أنها أتت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشاة فاعتقلها و حلبها، فقال: ائتني بأعظم إناء لكم، فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، ثم