البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - فصل
(صلوات اللَّه و سلامه عليه)* رواه أبو داود من حديث أبى إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبى بحر عن عبد اللَّه بن عمرو به* و من ذلك
قوله (عليه السلام) للأنصار، لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب، و رءوس قريش، و غيرهم، فقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة و البعير، و تذهبون برسول اللَّه تحوزونه إلى رحالكم؟* و قال: إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض* و قال: إن الناس يكثرون و تقل الأنصار* و قال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا: بل المحيا محياكم، و الممات مماتكم*
و قد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء.
و قال البخاري: ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: و أخبرنى سعيد ابن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفس محمد بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللَّه* و رواه مسلم عن حرملة عن أبى وهب عن يونس به*
و قال البخاري: ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و قال:
لتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللَّه* و قد رواه البخاري أيضا و مسلم من حديث جرير، و زاد البخاري و ابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به،
و قد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبى بكر، و عمر، و عثمان، استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين، و أنفقت أموال قيصر ملك الروم، و كسرى ملك الفرس، في سبيل اللَّه، على ما سنذكره بعد إن شاء اللَّه. و في هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين، و هي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له، و ملك الروم للشام قد زال عنها، فلا يملكوها بعد ذلك، و للَّه الحمد و المنة* و فيه دلالة على صحة خلافة أبى بكر، و عمر، و عثمان، و الشهادة لهم بالعدل، حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل اللَّه على الوجه المرضى الممدوح*
و قال البخاري: ثنا محمد بن الحكم، ثنا النضر، ثنا إسرائيل، ثنا سعد الطائي، أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، و قد أنبئت عنها، قال: فأن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا اللَّه عز و جل قلت فيما بيني و بين نفسي: فأين دعار طيِّئ الذين قد سعروا البلاد؟ و لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، و لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، و ليلقين اللَّه أحدكم يوم يلقاه و ليس بينه و بينه ترجمان يترجم له فيقولن له: أ لم أبعث