البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤١ - و منهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب لعنه اللَّه
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بليال، و قيل بليلة فاللَّه أعلم* و قد أطلع اللَّه رسوله اللَّه ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه.
و منهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب لعنه اللَّه
قدم المدينة وافدا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع قومه بنى حنيفة، و قد وقف عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسمعه و هو يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فقال له: لو سألتني هذا العود- لعرجون في يده- ما أعطيتكه، و لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، و إني لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما، فأوحى اللَّه إليه في المنام انفخهما، فنفخهما فطارا، فأولهما بكذابين يخرجان، و هما صاحب صنعاء، و صاحب اليمامة.
و هكذا وقع، فأنهما ذهبا و ذهب أمرهما. أما الأسود فذبح في داره، و أما مسيلمة فعقره اللَّه على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الإبل، و ضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه و ذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت. و قد وقف عليه خالد بن الوليد و هو طريح- أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة.-، و يقال: كان أصفر أخينس و قيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق، و يقال إنه مات و عمره مائة و أربعون سنة فاللَّه أعلم. و قد قتل قبله وزيراه و مستشاراه لعنهما اللَّه، و هما محكم بن الطفيل الّذي يقال له محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبى بكر، رماه بسهم و هو يخطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله، و الآخر نهار بن عنفوة الّذي يقال له الرجال بن عنفوة، و كان ممن أسلم ثم ارتد و صدق مسيلمة لعنهما اللَّه في هذه الشهادة، و قد رزق اللَّه زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد رضى اللَّه عنه* و مما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الإسلام، و ما رواه البخاري و غيره أن مسيلمة كتب إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بسم اللَّه الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه سلام عليك: أما بعد فأنى قد أشركت معك في الأمر، فلك المدر و لي الوبر، و يروى فلكم نصف الأرض و لنا نصفها، و لكن قريشا قوم يعتدون،
فكتب إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فأن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين».
و قد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة و يتعاناه لعنه اللَّه من الكلام الّذي هو أسخف من الهذيان، مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى اللَّه عما يقوله و أمثاله علوا كبيرا، و لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زعم أنه استقل بالأمر من بعده و استخف قومه فأطاعوه و كان يقول:
خذي الدف يا هذه و العبي* * * و بثي محاسن هذا النبي
تولى نبي بنى هاشم* * * و قام نبي بنى يعرب
فلم يمهله اللَّه بعد وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا قليلا حتى سلط اللَّه عليه سيفا من سيوفه، و حتفا