البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٨ - ذكر ردة أهل البحرين و عودهم إلى الإسلام
و لا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أ تعلمون أنه كان للَّه أنبياء قبل محمد؟ قالوا: نعم، قال:
تعلمونه أم ترونه؟ قالوا: نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فان محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) مات كما ماتوا و إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فقالوا: و نحن أيضا نشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و أنت أفضلنا و سيدنا، و ثبتوا على إسلامهم، و تركوا بقية الناس فيما هم فيه، و بعث الصديق رضى اللَّه عنه كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرميّ، فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير، و جاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرميّ، فأكرمهم العلاء و ترحب بهم و أحسن إليهم، و قد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة، اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش و خيامهم و شرابهم، و بقوا على الأرض ليس معهم شيء سوى ثيابهم- و ذلك ليلا- و لم يقدروا منها على بعير واحد، فركب الناس من الهم و الغم ما لا يحد و لا يوصف، و جعل بعضهم يوصى إلى بعض، فنادى منادى العلاء فاجتمع الناس إليه، فقال: أيها الناس أ لستم المسلمين؟
أ لستم في سبيل اللَّه؟ أ لستم أنصار اللَّه؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا فو اللَّه لا يخذل اللَّه من كان في مثل حالكم، و نودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلّى بالناس، فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه و جثا الناس، و نصب في الدعاء و رفع يديه و فعل الناس مثله حتى طلعت الشمس، و جعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى و هو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق اللَّه إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح، فمشى و مشى الناس إليه فشربوا و اغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل فج بما عليها، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا، فسقوا الإبل عللا بعد نهل. فكان هذا مما عاين الناس من آيات اللَّه بهذه السرية، ثم لما اقترب من جيوش المرتدة- و قد حشدوا و جمعوا خلقا عظيما- نزل و نزلوا، و باتوا متجاورين في المنازل، فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين، فقال: من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء؟ فقام عبد اللَّه ابن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب، فرجع إليه فأخبره، فركب العلاء من فوره و الجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما، و قل من هرب منهم، و استولى على جميع أموالهم و حواصلهم و أثقالهم، فكانت غنيمة، عظيمة جسيمة، و كان الحطم بن ضبيعة أخو بنى قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما، فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول: من يصلح لي ركابي؟ فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال: أنا أصلحها لك، ارفع رجلك، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه، فقال له: أجهز على، فقال: لا أفعل، فوقع صريعا كلما مرّ به أحد يسأله أن يقتله فيأبى، حتى مرّ به قيس بن عاصم فقال له: أنا الحطم فاقتلني