البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢ - حديث هند بن أبى هالة في ذلك
المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة و السرة بشعر يجرى كالخط عاري الثديين و البطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين و المنكبين و أعالى الصدر طويل الزندين رحب الراحة سبط الغضب شثن الكفين و القدمين سابل الاطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا و يمشى هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب و إذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره الى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه يبدأ من لقيه بالسلام* قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام و يختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول و لا تقصير دمث ليس بالجافي و لا المهين يعظم النعمة و إن دقت لا يذم منها شيئا و لا يمدحه و لا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شيء حتى ينتصر له، و في رواية:
لا تغضبه الدنيا و ما كان لها فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد و لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه و لا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها، و إذا تعجب قلبها و إذا تحدث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم و يفتر عن مثل حب الغمام* قال الحسن فكتمتها الحسن بن على زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني اليه فسأله عما سألته عنه و وجدته قد سأل أباه عن مدخله و مخرجه و مجلسه و شكله فلم يدع منه شيئا قال الحسن: سألت أبى عن دخول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك و كان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا للَّه و جزءا لأهله، و جزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة و الخاصة لا يدخر عنهم شيئا، و كان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه و قسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم و يشغلهم فيما أصلحهم و الأمة من مسألته عنهم و أخبارهم بالذي ينبغي و يقول: ليبلغ الشاهد الغائب، و أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت اللَّه قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده الا ذلك و لا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه زوارا و لا يفترقون إلا عن ذواق و في رواية و لا يتفرقون الا عن ذوق، و يخرجون أدلة يعنى فقهاء. قال: و سألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخزن لسانه الا بما يعنيهم و يؤلفهم و لا ينفرهم، و يكرم كريم كل قوم و يوليه عليهم، و يحذر الناس، و يحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره و لا خاتمه، يتفقد أصحابه و يسأل الناس عما في الناس، و يحسن الحسن و يقويه، و يقبح القبيح و يوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق و لا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم