البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٤
الغنوي، شهد هو و ابنه مرثد بدرا، و لم يشهدها رجل هو و ابنه سواهما، و استشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم، و ابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبى مرثد له صحبة أيضا، شهد الفتح و حنينا و كان عين رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا، و قد كان أبو مرثد حليفا للعباس بن عبد المطلب،
و روى له عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حديث واحد انه قال: لا تصلوا إلى القبور و لا تجلسوا إليها،
قال الواقدي: توفى سنة ثنتى عشرة، زاد غيره بالشام، و زاد غيره عن ست و ستين سنة، و كان رجلا طويلا كثير الشعر، قلت: و في قبلىّ دمشق قبر يعرف بقبر كثير، و الّذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و رأيت على ذلك المكان روحا و جلالة، و العجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام فاللَّه أعلم.
و ممن توفى في هذه السنة أبو العاص بن الربيع
ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زينب، و كان محسنا إليها و محبا لها، و لما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبى عليهم ذلك، و كان ابن أخت خديجة بنت خويلد و اسم أمه هالة، و يقال هند بنت خويلد و اختلف في اسمه فقيل: لقيط، و هو الأشهر، و قيل: مهشم و قيل: هشيم، و قد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر، فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه و أحضر معه في الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها، فلما رآها رسول اللَّه رق لها رقة شديدة و أطلقه بسببها، و اشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك، و استمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل، فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه و غنموا العير، و فر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته، فأجاز رسول اللَّه جوارها، ورد عليه ما كان معه من أموال قريش، فرجع بها أبو العاص إليهم، فرد كل مال إلى صاحبه، ثم تشهد شهادة الحق و هاجر إلى المدينة، ورد عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زينب بالنكاح الأول و كان بين فراقها له و بين اجتماعهاست سنين و ذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبيّة، و قيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فاللَّه أعلم* و قد ولد له من زينب على بن أبى العاص، و خرج مع على إلى اليمن حين بعثه إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يثنى عليه خيرا في صهارته، و يقول: حدثني فصدقني و واعدني فوفانى، و قد توفى في أيام الصديق سنة ثنتى عشرة. و في هذه السنة تزوج على بن أبى طالب بابنته أمامة بنت أبى العاص، بعد وفاة خالتها فاطمة، و ما أدرى هل كان ذلك قبل وفاة أبى العاص أو بعده فاللَّه أعلم*
(تم الجزء السادس من البداية و النهاية و يليه الجزء السابع و أوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبويّة، نسأل اللَّه التوفيق و الإعانة على إتمامه.)