البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - فصل
حديث آخر
قال الامام أحمد، ثنا يزيد، ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عبد اللَّه بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية، وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فقال: لا تقل له شيئا، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه: فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لا تشركوا باللَّه شيئا و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق و لا تسحروا و لا تأكلوا الربا و لا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله و لا تقذفوا محصنة، أو قال: لا تفروا من الزحف- شعبة الشاك- و أنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت، قال: فقبلا يديه و رجليه و قالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تتبعانى؟ قالا: إن داود (عليه السلام) دعا أن لا يزال من ذريته نبي، و إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود* و قد رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و الحاكم و البيهقي من طرق عن شعبة به،
و قال الترمذي:
حسن صحيح* قلت: و في رجاله من تكلم فيه، و كأنه اشتبه على الراويّ التسع الآيات بالعشر الكلمات، و ذلك أن الوصايا التي أوصاها اللَّه إلى موسى و كلمه بها ليلة القدر بعد ما خرجوا من ديار مصر و شعب بنى إسرائيل حول الطور حضور، و هارون و من معه وقوف على الطور أيضا، و حينئذ كلم اللَّه موسى تكليما آمرا له بهذه العشر كلمات، و قد فسرت في هذا الحديث، و أما التسع الآيات فتلك دلائل و خوارق عادات أيد بها موسى (عليه السلام)، و أظهرها اللَّه على يديه بديار مصر، و هي العصا و اليد و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و الجدب و نقص الثمرات، و قد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية و اللَّه أعلم.
فصل
و قد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ و مثلها في سورة الجمعة و هي قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ و ذكرنا أقوال المفسرين في ذلك و أن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة و أن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين، فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم، و أن الدعوة تنقلب عليهم، و يعود وبالها إليهم، و هكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم، فأمره اللَّه أن يدعوهم إلى المباهلة في قوله فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ