البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - فصل
أتباع الأنبياء و هم ضعفاء الناس، و كذبه أهل الرئاسة و عادوه، و سعوا في هلاكه و هلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء و أتباعهم، و الذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة و لا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم و لا جهات يوليهم إياها، و لا كان له سيف، بل كان السيف و الجاه و المال مع أعدائه و قد آذوا أتباعه بأنواع الأذى و هم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم، لما خالط قلوبهم من حلاوة الايمان و المعرفة، و كانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة و يدعوهم إلى اللَّه صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب، و جفاء الجافي، و إعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب و كانوا جيران اليهود، و قد سمعوا أخباره منهم و عرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الّذي يخبرهم به اليهود، و كانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فان أمره كان قد انتشر و ظهر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به و بايعوه على هجرته و هجرته أصحابه إلى بلدهم، و على الجهاد معه، فهاجر هو و من اتبعه إلى المدينة، و بها المهاجرون و الأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، و لا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجهاد، ثم أمر به، و لم يزل قائما بأمر اللَّه على أكمل طريقة و أتمها، من الصدق و العدل و الوفاء لا يحفظ له كذبة واحدة، و لا ظلم لأحد، و لا غدر بأحد، بل كان أصدق الناس و أعدلهم و أوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال، من حرب و سلم، [و أمن] و خوف، و غنى و فقر، و قدرة و عجز، و تمكن و ضعف، و قلة و كثرة، و ظهور على العدو تارة، و ظهور العدو تارة، و هو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق و أتمها، حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، و من أخبار الكهان، و طاعة المخلوق في الكفر بالخالق، و سفك الدماء المحرمة، و قطيعة الأرحام، لا يعرفون آخرة و لا معادا، فصاروا أعلم أهل الأرض و أدينهم و أعدلهم و أفضلهم، حتى ان النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء* و هذه آثار علمهم و عملهم في الأرض و آثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين. و هو (صلى اللَّه عليه و سلم) مع ظهور أمره، و طاعة الخلق له، و تقديمهم له على الأنفس و الأموال، مات و لم يخلف درهما و لا دينارا، و لا شاة و لا بعيرا، إلا بغلته و سلاحه و درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله، و كان بيده عقار ينفق منه على أهله، و الباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث و لا يأخذ ورثته شيئا من ذلك و هو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات و فنون الكرامات ما يطول وصفه، و يخبرهم بما كان و ما يكون، و يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر، و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث، و يشرع الشريعة شيئا بعد شيء، حتى أكمل اللَّه دينه الّذي بعثه به، و جاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف الا أمر به، و لا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم