البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٩ - كتاب دلائل النبوّة
الملتين أهل الكتاب و غيرهم من عقلاء اليونان و الهند و الفرس و القبط و غيرهم من أصناف بنى آدم في سائر الأقطار و الأمصار* و أما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل و هو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه اللَّه في بعض الاجرام، و لا فرق عندهم بين مخلوق و مخلوق، و قولهم: هذا كفر و باطل و ليس مطابقا لما في نفس الأمر، بل القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، تكلم به كما شاء تعالى و تقدس و تنزه عما يقولون علوا كبيرا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة و في نفس الأمر عن الإتيان بمثله و لو تعاضدوا و تناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق و أعظم الخلق و أكملهم، أن يتكلموا بمثل كلام اللَّه و هذا القرآن [الّذي] يبلغه الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) عن اللَّه، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أساليب كلامه (عليه السلام) المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة و لا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته و بلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل و أسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين، و هلم جرا إلى زماننا. [و] علماء السلف أفصح و أعلم، و أقل تكلفا، فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف و هذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، و بين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك، و لهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى و هو فيما
رواه الامام أحمد قائلا: [حدثنا] حجاج، ثنا ليث، حدثني سعيد بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، و إنما كان الّذي أوتيت و حيا أوحاه اللَّه إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة* و قد أخرجه البخاري و مسلم من حديث الليث بن سعد به*
و معنى هذا أن الأنبياء (عليهم السلام) كل منهم قد أوتى من الحجج و الدلائل على صدقه و صحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية و حجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة، و قوله: و إنما كان الّذي أوتيت، أي جله و أعظمه، الوحي الّذي أوحاه إليه، و هو القرآن، الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه و بعده، فان البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم و لم يبق منها إلا الخبر عنها، و أما القرآن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحجة اللَّه قائمة به في حياته (عليه السلام) و بعد وفاته، و لهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، أي لاستمرار ما آتاني اللَّه من الحجة البالغة و البراهين الدامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا