البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٢ - وقعة الفراض
بنوه و بناته و امرأته، و قد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما و معهما كتاب من الصديق بالأمان و لم يعلم بذلك المسلمون، و هما عبد العزى بن أبى رهم بن قرواش، قتله جرير بن عبد اللَّه البجلي، و الآخر لبيد بن جرير، قتله بعض المسلمين، فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما، و بعث بالوصاة بأولادهما، و تكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما، كما تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة، فقال له الصديق: كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين، و هذا كما
في الحديث «أنا بريء من كل من ساكن المشرك في داره»
و
في الحديث الآخر «لا ترى نارهما»
أي لا يجتمع المسلمون و المشركون في محلة واحدة* ثم كانت وقعة الثني و الزّميل و قد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الأعراب و الأعاجم فلم يفلت منهم أحد و لا انبعث بخبر، ثم بعث خالد بالخمس من الأموال و السبي إلى الصديق، و قد اشترى على بن أبى طالب من هذا السبي جارية من العرب و هي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي، فاستولدها عمر و رقية رضى اللَّه عنهم أجمعين.
وقعة الفراض
ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض و هي تخوم الشام و العراق و الجزيرة، فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالأعداء، و لما بلغ الروم أمر خالد و مصيره إلى قرب بلادهم، حموا و غضبوا و جمعوا جموعا كثيرة، و استمدوا تغلب و إياد و التمر، ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد: اعبر إلينا، و قال خالد للروم: بل اعبروا أنتم، فعبرت الروم إليهم، و ذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتى عشرة، فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا، ثم هزم اللَّه جموع الروم و تمكن المسلمون من اقتفائهم، فقتل في هذه المعركة مائة ألف، و أقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة، و أمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة و أمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة، و أظهر خالد أنه يسير في الساقة، و سار خالد في عدة من أصحابه و قصد شطر المسجد الحرام، و سار إلى مكة في طريق لم يسلك قبله قط، و يأتى له في ذلك أمر لم يقع لغيره، فجعل يسير معتسفا على غير جادة، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة، ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا إلى الحيرة، و لم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه، و لم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعد ما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش و كانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام، و قال له فيما كتب إليه: يقول له: و إن الجموع لم تشج بعون اللَّه شجيك، فليهنئك أبا سليمان النية و الحظوة، فأتمم يتمم اللَّه لك، و لا يدخلنك عجب فتخسر و تخذل، و إياك أن تدل بعمل فان اللَّه له المن و هو ولى الجزاء.