البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٦ - بعث خالد بن الوليد إلى العراق
ثم كانت وقعة أ ليس في صفر أيضا و ذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل، من نصارى العرب ممن كان مع الفرس، فاجتمع عشائرهم و أشدهم حنقا عبد الأسود العجليّ، و كان قد قتل له ابن بالأمس، فكاتبوا الأعاجم فأرسل إليهم أردشير جيشا، فاجتمعوا بمكان يقال له: أليس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله، إذ غافلهم خالد بجيشه، فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام و عدم الاعتناء بخالد، و قال أمير كسرى: بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه. فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه و نادى بأعلى صوته لشجعان من هنالك من الأعراب: أين فلان، أين فلان؟ فكلهم تلكئوا عنه إلا رجلا يقال له مالك بن قيس، من بنى جذرة، فأنه برز إليه، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم و ليس فيك وفاء؟ فضربه فقتله. و نفرت الأعاجم عن الطعام و قاموا إلى السلاح فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، و المشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة و شدة و كلب في القتال. و صبر المسلمون صبرا بليغا، و قال خالد: اللَّهمّ لك عليّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم. ثم إن اللَّه عز و جل منح المسلمين أكتافهم فنادى منادى خالد: الأسر، الأسر، لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر، فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، و قد و كل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما و ليلة و يطلبهم في الغد و من بعد الغد، و كلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر، و قد صرف ماء النهر إلى موضع آخر فقال له بعض الأمراء: إن النهر لا يجرى بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك، فأرسله فسال النهر دما عبيطا، فلذلك سمى نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، و بلغ عدد القتلى سبعين ألفا، و لما هزم خالد الجيش و رجع من رجع من الناس، عدل خالد إلى الطعام الّذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال للمسلمين: هذا نفل فانزلوا فكلوا، فنزل الناس فأكلوا عشاء.
و قد جعل الأعاجم على طعامهم مرققا كثيرا فجعل من يراه من أهل البادية من الأعراب يقولون:
ما هذه الرقع؟ يحسبونها ثيابا، فيقول لهم من يعرف ذلك من أهل الأرياف و المدن: أما سمعتم رقيق العيش؟ قالوا: بلى، قالوا: فهذا رقيق العيش، فسموه يومئذ رقاقا، و إنما كانت العرب تسميه العود* و قد قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي عمن حدث عن خالد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نفل الناس يوم خيبر الخبز و البطيخ و الشواء و ما أكلوا غير ذلك غير متأثليه* و كان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أ ليس من بلدة يقال لها أمغيشيا، فعدل إليها خالد و أمر بخرابها و استولى على ما بها، فوجدوا بها مغنما عظيما، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا و خمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله.
و بعث خالد إلى الصديق بالبشارة و الفتح و الخمس من الأموال و السبي مع رجل يقال له جندل من