البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٣ - بعث خالد بن الوليد إلى العراق
إسحاق عن صالح بن كيسان: إن أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا و باروسما، و صاحبها جابان، فصالحه أهلها. قلت: و قد قتل منهم المسلمون قبل الصلح خلقا كثيرا. و كان الصلح على ألف درهم، و قيل دينار، في رجب، و كان الّذي صالحه بصبهرى بن صلوبا، و يقال صلوبا بن بصبهرى، فقبل منهم خالد و كتب لهم كتابا، ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس بن حيّة الطائي و كان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال لهم خالد: أدعوكم إلى اللَّه و إلى الإسلام فأن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم و عليكم ما عليهم، فأن أبيتم فالجزية فأن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم اللَّه بيننا و بينكم. فقال له قبيصة: ما لنا بحر بك من حاجة بل نقيم على ديننا و نعطيكم الجزية. فقال لهم خالد: تبا لكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها، فلقيه رجلان أحدهما عربي و الآخر أعجمى فتركه [١] و استدل بالعجمي، ثم صالحهم على تسعين ألفا، و في رواية مائتي ألف درهم، فكانت أول جزية أخذت من العراق و حملت إلى المدينة هي و القريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا. قلت: و قد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حبان بن بقيلة [٢]، و كان من نصارى العرب، فقال له خالد:
من أين أثرك؟ قال: من ظهر أبى، قال: و من أين خرجت؟ قال: من بطن أمى، قال: ويحك على أي شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويحك و في أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك على اى شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: و يحك و في أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك تعقل؟ قال: نعم و أقيد، قال: إنما أسألك، قال: و أنا أجيبك، قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال:
بل سلّم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه، ثم دعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو مائتي ألف كما تقدم* ثم بعث خالد ابن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن و مرازبته و وزرائه، كما قال هشام بن الكلبي عن أبى مخنف عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأنى بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد ابن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمد للَّه الّذي فضّ خدمكم و سلب ملككم و وهّن كيدكم، و ان من صلّى صلاتنا و استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فذلكم المسلم الّذي له ما لنا و عليه ما علينا، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرّهن و اعتقدوا منى الذمة، و إلا فو الّذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلما قرءوا الكتاب أخذوا يتعجبون. و قال سيف بن عمر عن طليحة الأعلم عن المغيرة بن عيينة- و كان قاضى أهل الكوفة- قال: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، و لم يحملهم على طريق
[١] كذا بالأصل.
[٢] في تاريخ الطبري: عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة.