البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - القول فيما أوتى سليمان بن داود (عليه السلام)
و شماله يوم أحد* و أما ما جمع اللَّه تعالى لسليمان من النبوة و الملك كما كان أبوه من قبله، فقد خير اللَّه عبده محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا، فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه و عليه أن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا، و قد روى ذلك من حديث عائشة و ابن عباس، و لا شك أن منصب الرسالة أعلى.
و قد عرضت على نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) كنوز الأرض فأباها، قال: و لو شئت لأجرى اللَّه معى جبال الأرض ذهبا، و لكن أجوع يوما و أشبع يوما،
و قد ذكرنا ذلك كله بأدلته و أسانيده في التفسير و في السيرة أيضا و للَّه الحمد و المنة*
و قد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد و أبى سلمة عن أبى هريرة قال:
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بينا أنا نائم جيء بمفاتيح خزائن الأرض فجعلت في يدي*
و من حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس*
و من حديث القاسم عن أبى لبابة مرفوعا: عرض عليّ ربى ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، و لكن أشبع يوما و أجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك، و إذا شبعت حمدتك و شكرتك*
قال أبو نعيم: فأن قيل: سليمان (عليه السلام) كان يفهم كلام الطير و النملة كما قال تعالى: وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ الآية و قال: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها الآية. قيل: قد أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مثل ذلك و أكثر منه، فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم و السباع و حنين الجذع و رغاء البعير و كلام الشجر و تسبيح الحصا و الحجر، و دعائه إياه و استجابته لأمره، و إقرار الذئب بنبوته، و تسبيح الطير لطاعته، و كلام الظبية و شكواها إليه، و كلام الضب و إقراره بنبوته، و ما في معناه، كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغنى عن إعادته.
انتهى كلامه. قلت: و كذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم و كان ذلك بأقرار من وضعه فيه من اليهود، و قال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم- يعنى الخزاعي- حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بنى بكر الذين نقضوا صلح الحديبيّة، و كان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم
و قال (صلى اللَّه عليه و سلم): إني لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن*
فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك، فهو من هذا القبيل و أبلغ، لانه جماد بالنسبة إلى الطير و النمل، لأنهما من الحيوانات ذوات الأرواح، و إن كان سلاما نطقيا و هو الأظهر، فهو أعجب من هذا الوجه أيضا، كما
قال على: خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بعض شعاب مكة، فما مرّ بحجر و لا شجر و لا مدر إلّا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فهذا النطق سمعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و على رضى اللَّه عنه*
ثم قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري، حدثنا أحمد بن