البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٥ - مقتل مسيلمة الكذاب لعنه اللَّه و أخزاه
صرفه عنه شيطانه، فانصرف عنه خالد و قد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب، و كل بنى أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، و صبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله، و لم يزالوا ينقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح اللَّه عليهم، و ولى الكفار الأدبار، و اتبعوهم يقتلون في أقفائهم، و يضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا، حتى ألجئوهم إلى حديقة الموت، و قد أشار عليهم محكم اليمامة- و هو محكم بن الطفيل لعنه اللَّه- بدخولها، فدخلوها و فيها عدو اللَّه مسيلمة لعنه اللَّه، و أدرك عبد الرحمن بن أبى بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه و هو يخطب فقتله، و أغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، و أحاط بهم الصحابة، و قال البراء بن مالك:
يا معشر المسلمين ألقونى عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف و رفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، و دخل المسلمون الحديقة من حيطانها و أبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه اللَّه، و إذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق، و هو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، و كان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم- قاتل حمزة- فرماه بحزبته فأصابه و خرجت من الجانب الآخر، و سارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة، فضربه بالسيف فسقط، فنادت امرأة من القصر: وا أمير الوضاءة، قتله العبد الأسود، فكان جملة من قتلوا في الحديقة و في المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل، و قيل: أحد و عشرون ألفا، و قتل من المسلمين ستمائة، و قيل: خمسمائة، فاللَّه أعلم، و فيهم من سادات الصحابة، و أعيان الناس من يذكر بعد، و خرج خالد و تبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده، فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة، فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد: أ هذا هو؟ قال: لا، و اللَّه هذا خير منه، هذا الرجال بن عنفوة، قال سيف بن عمر: ثم مروا برجل أصفر أخنس، فقال: هذا صاحبكم، فقال خالد: قبحكم اللَّه على اتباعكم هذا، ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال و سبى، ثم عزم على غزو الحصون و لم يكن بقي فيها إلا النساء و الصبيان و الشيوخ الكبار، فخدعه مجاعة فقال: إنها ملأى رجالا و مقاتلة فهلم فصالحني عنها، فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد و قد كلوا من كثرة الحروب و القتال، فقال: دعني حتى أذهب إليهم ليوافقونى على الصلح، فقال: اذهب، فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد و يبرزن على رءوس الحصون، فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رءوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح، و دعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم و رجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي، و ساق الباقين إلى الصديق، و قد تسرى على بن أبى طالب بجارية منهم، و هي أم ابنه محمد الّذي يقال له: محمد بن الحنفية رضى اللَّه