البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ و قد دعا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على قريش حين تمادوا على مخالفته بسبع كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا كل شيء، و كان أحدهم يرى بينه و بين السماء مثل الدخان من الجوع.
و قد فسر ابن مسعود قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ بذلك كما رواه البخاري عنه في غير ما موضع من صحيحه، ثم توسلوا إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، بقرابتهم منه مع أنه بعث بالرحمة و الرأفة، فدعا لهم فأقلع عنهم و رفع عنهم العذاب، و أحيوا بعد ما كانوا أشرفوا على الهلكة* و أما فلق البحر لموسى (عليه السلام) حين أمره اللَّه تعالى- حين تراءى الجمعان- أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فأنه معجزة عظيمة باهرة، و حجة قاطعة قاهرة، و قد بسطنا ذلك في التفسير و في قصص الأنبياء من كتابنا هذا، و في إشارته (صلى اللَّه عليه و سلم) بيده الكريمة إلى قمر السماء فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قريش، و هم معه جلوس في ليلة البدر، أعظم آية، و أيمن دلالة و أوضح حجة و أبهر برهان على نبوته و جاهه عند اللَّه تعالى، و لم ينقل معجزة عن نبي من الأنبياء من الآيات الحسنات أعظم من هذا، كما قررنا ذلك بأدلته من الكتاب و السنة، في التفسير في أول البعثة، و هذا أعظم من حبس الشمس قليلا ليوشع بن نون حتى تمكن من الفتح ليلة السبت، كما سيأتي في تقرير ذلك مع ما يناسب ذكره عنده، و قد تقدم من سيرة العلاء بن الحضرميّ، و أبى عبيد الثقفي و أبى مسلم الخولانيّ، و سير الجيوش التي كانت معهم على تيار الماء و منها دجلة و هي جارية عجاجة تقذف الخشب من شدة جريها، و تقدم تقرير أن هذا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه و اللَّه أعلم*
و قال ابن حامد: فأن قالوا: فان موسى (عليه السلام) ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان ذلك آية لموسى (عليه السلام)، قلنا: فقد أوتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مثلها، قال على رضى اللَّه عنه: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد يشخب و قدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا: يا رسول اللَّه العدو من ورائنا و الوادي من أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. فنزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فعبرت الخيل لا تبدى حوافرها و الإبل لا تبدي أخفافها، فكان ذلك فتحا،
و هذا الّذي ذكره بلا إسناد و لا أعرفه في شيء من الكتب المعتمدة باسناد صحيح و لا حسن بل و لا ضعيف فاللَّه أعلم* و أما تظليله بالغمام في التيه، فقد تقدم ذكر حديث الغمامة التي رآها بحيرا تظله من بين أصحابه، و هو ابن اثنتي عشرة سنة، صحبة عمه أبى طالب و هو قادم إلى الشام في تجارة، و هذا أبهر من جهة أنه كان و هو قبل أن يوحى إليه، و كانت الغمامة تظله وحده من بين أصحابه، فهذا أشد في الاعتناء، و أظهر من غمام بنى إسرائيل و غيرهم، و أيضا فان المقصود من تظليل الغمام إنما كان لاحتياجهم إليه من شدة الحر، و قد ذكرنا في الدلائل