البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
و غاضت بحيرة ساوة، فليست الشام لسطيح شاما، و لهذا كان ذكر هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى و جعلها حية أليق، إذ هي مساوية لذلك، و هذه متعددة في محال متفرقة بخلاف عصا موسى فأنها و إن تعدد جعلها حية، فهي ذات واحدة و اللَّه أعلم* ثم ننبه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأن هذه أعجب و أكبر و أظهر و أعلم، قال شيخنا: و أما أن اللَّه كلم موسى تكليما، فقد تقدم حصول الكلام للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الأسراء مع الرؤية و هو أبلغ* هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى (عليه السلام) ليلة الأسراء فيشهد له: فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين و خففت عن عبادي، و سياق بقية القصة يرشد إلى ذلك، و قد حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك، لكن رأيت في كلام القاضي عياض نقل خلاف فيه و اللَّه أعلم* و أما الرؤية ففيها خلاف مشهور بين الخلف و السلف، و نصرها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المشهور بإمام الأئمة، و اختار ذلك القاضي عياض و الشيخ محيي الدين النووي، و جاء عن ابن عباس تصديق الرؤية، و جاء عنه تفنيدها، و كلاهما في صحيح مسلم، و في الصحيحين عن عائشة إنكار ذلك، و قد ذكرنا في الاسراء عن ابن مسعود و أبى هريرة و أبى ذر و عائشة رضى اللَّه عنهم أن المرئي في المرتين المذكورتين في أول سورة النجم، إنما هو جبريل (عليه السلام)، و في صحيح مسلم عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه هل رأيت ربك؟ فقال: نورا لي أراه، و في رواية: رأيت نورا* و قد تقدم بسط ذلك في الأسراء في السيرة و في التفسير في أول سورة بنى إسرائيل، و هذا الّذي ذكره شيخنا فيما يتعلق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة و السلام* و أيضا فأن اللَّه تعالى كلم موسى و هو بطور سينا، و سأل الرؤية فمنعها، و كلم محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الأسراء و هو بالملإ الأعلى حين رفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، و حصلت له الرؤية في قول طائفة كبيرة من علماء السلف و الخلف و اللَّه أعلم* ثم رأيت ابن حامد قد طرق هذا في كتابه و أجاد و أفاد و قال ابن حامد: قال اللَّه تعالى لموسى: وَ أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و قال لمحمد قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* و أما اليد التي جعلها اللَّه برهانا و حجة لموسى على فرعون و قومه كما قال تعالى بعد ذكر صيرورة العصاحية: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ و قال في سورة طه: آيَةً أُخْرى لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى فقد أعطى اللَّه محمدا انشقاق القمر بإشارته إليه فرقتين، فرقة من وراء جبل حراء، و أخرى أمامه، كما تقدم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ و لا شك أن هذا أجل و أعظم و أبهر في المعجزات و أعم و أظهر و أبلغ من ذلك* و قد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته: و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا سرّ استنار وجهه كأنه فلقة قمر، و ذلك في صحيح البخاري* و قال