البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٧ - القول فيما أوتى داود (عليه السلام)
البخاري، و قال تعالى: وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ و قد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة:
نسيج داود ما حمى صاحب الغار* * * و كان الفخار للعنكبوت
و المقصود المعجز في إلانة الحديد، و قد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب، في سنة أربع، و قيل: خمس، أنهم عرضت لهم كدية- و هي الصخرة في الأرض- فلم يقدروا على كسرها و لا شيء منها، فقام إليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و قد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع- فضربها ثلاث ضربات، لمعت الأولى حتى أضاءت له منها قصور الشام، و بالثانية قصور فارس، و ثالثة، ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل، و لا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل و لا بالنار، أعجب من لين الحديد الّذي إن أحمى لانه كما قال بعضهم:
فلو أن ما عالجت لين فؤادها* بنفسي للان الجندل ...
و الجندل الصخر، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ، قال اللَّه تعالى:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً الآية. و أما قوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ الآية، فذلك لمعنى آخر في التفسير، و حاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج، فإذا عولج انفعل الحديد و لا ينفعل الحجر و اللَّه أعلم* و قال أبو نعيم: فأن قيل: فقد لين اللَّه لداود (عليه السلام) الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ، قيل: لينت لمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) الحجارة و صم الصخور، فعادت له غارا استتر به من المشركين، يوم أحد، مال إلى الجبل ليخفى شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه، و هذا أعجب لان الحديد تلينه النار، و لم نر النار تلين الحجر، قال: و ذلك بعد ظاهر باق يراه الناس. قال: و كذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه [١] إليه فلان الحجر حتى ادرأ فيه بذراعيه و ساعديه، و ذلك مشهور يقصده الحجاج و يرونه. و عادت الصخرة ليلة أسرى به كهيئة العجين، فربط بها دابته- البراق- و موضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا. و هذا الّذي أشار اليه، من يوم أحد و بعض شعاب مكة غريب جدا، و لعله قد أسنده هو فيما سلف، و ليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة. و أما ربط الدابة في الحجر فصحيح، و الّذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلّم (رحمه اللَّه)* و أما قوله: و أوتيت الحكمة و فصل الخطاب، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و الشرعة التي شرعت له، أكمل من كل حكمة و شرعة كانت لمن قبله من الأنبياء (صلوات اللَّه عليه و عليهم أجمعين)، فأن اللَّه جمع له محاسن من كان قبله، و فضله، و أكمله [و آتاه] ما لم يؤت أحدا قبله، و قد قال (صلى اللَّه عليه و سلم): أوتيت جوامع
[١] كذا بالأصل.