البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - القول فيما أوتى داود (عليه السلام)
و قد ذكرنا قصته (عليه السلام) في التفسير، و طيب صوته (عليه السلام)، و أن اللَّه تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه، و كانت الجبال أيضا تجيبه و تسبح معه، و كان سريع القراءة، يأمر بدوا به فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب، و كان لا يأكل إلا من كسب يده، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)، و قد كان نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن، قال جبير بن مطعم: قرأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المغرب بالتين و الزيتون، فما سمعت صوتا أطيب من صوته (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يقرأ ترتيلا كما أمره اللَّه عز و جل بذلك* و أما تسبيح الطير مع داود، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك، و قد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قال ابن حامد: و هذا حديث معروف مشهور، و كانت الأحجار و الأشجار و المدر تسلم عليه (صلى اللَّه عليه و سلم). و في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل- يعنى بين يدي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و كلمه ذراع الشاة المسمومة، و أعلمه بما فيه من السم، و شهدت بنبوته الحيوانات الانسية و الوحشية، و الجمادات أيضا، كما تقدم بسط ذلك كله، و لا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها، أعجب من صدور ذلك من الجبال، لما فيها من التجاويف و الكهوف، فأنها و ما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا، كما قال عبد اللَّه بن الزبير: كان إذا خطب- و هو أمير المدينة بالحرم الشريف- تجاوبه الجبال، أبو قبيس و زرود، و لكن من غير تسبيح، فأن ذلك من معجزات داود (عليه السلام). و مع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبى بكر و عمر و عثمان، أعجب* و أما أكل داود من كسب يده،
فقد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأكل من كسبه أيضا، كما كان يرعى غنما لأهل مكة على قراريط. و قال: و ما من نبي إلا و قد رعى الغنم.
و خرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة، و قال اللَّه تعالى: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً* انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى قوله: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أي للتكسب و التجارة طلبا للربح الحلال. ثم لما شرع اللَّه الجهاد بالمدينة، كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله، و مما أفاء اللَّه عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره، كما جاء في المسند
و الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، و جعل رزقي تحت ظل رمحي، و جعل الذلة و الصغار على من خالف أمرى، و من تشبه بقوم فهو منهم*
و أما إلانة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده، فكان يصنع هذه الدروع الداوديّة، و هي الزرديات السابغات، و أمره اللَّه تعالى بنفسه بعملها، و قدر في السرد، أي ألا يدق المسمار فيعلق، و لا يعظله فيقصم، كما جاء في