تحرير المواعظ العددية - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ١٨٣ - الفصل الرابع مما روته الخاصة و العامة عن أمير المؤمنين
فعليك ببطن جاعت بعد الشبع؛ فإنّ الخير فيها مضمون، و اللّه لأمدّنّ يدي إلى فم ثعبان و لا أمدّنّها إلى من كان جائعا و هو الآن شبعان؛ فإنّ الكريم كلّما اغتنمه[١] أو كسّبه احتقر ذلك في نفسه، و مثله كالشمس لا تمنع نفعها و لو كان عليها غيم، و اللئيم كالحنظل كلّما ازداد[٢] ريعا يزداد مرورة.
و قال ٧ لبعض أصحابه: لا تجعلنّ أكثر شغلك لأهلك و ولدك و إن يكن أهلك و ولدك أولياء اللّه؛ فإنّ اللّه لا يضيع أوليائه، و إن يكونوا أعداء اللّه، فما عملك و شغلك بأعداء اللّه؟!
و قال ٧ لابنه الحسن ٧: يا بنيّ لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدّنيا؛ فإنّك تخلّفه لأحد رجلين: إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه، فسعد بما شقيت به، و إمّا رجل عمل فيه بمعصية اللّه، فكنت له عونا على معصيته، و ليس أحد هذين حقيقا أن تؤثر[٣] على نفسك، و تحمل له على ظهرك.
و قال ٧ في ذمّ الدّنيا: ما أصف من دار أوّلها عناء و آخرها فناء، في حلالها حساب و في حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن، و من ساعاها[٤] فاتته، و من قعد عنها و اتته، و من أبصر بها بصرته، و من أبصر إليها أعمته[٥].
[١] - يقال: غنّمه كذا أي: أعطاه إيّاه. و يقال كسّبت زيدا مالا و اكتسبت زيدا مالا: اعنته على كسبه، أو جعلته يكسبه. يعني أنّ الكريم يحتقر عطاياه في نفسه، فلا يستكثر و لا يمنّ، بل قد يعتذر من القلّة.
[٢] - الرّيع: النّماء و الزيادة( لسان العرب: ٨/ ١٣٧).
[٣] - آثره: أي فضّله؛ أي ليس أحد من هذين الرجلين حقيقا أن تفضّله و تختاره على نفسك و تحمل له الوزر على ظهرك.
[٤] - أي من جرى معها في مطالبها يعني بذلك أنّه اهتم و جدّ في طلبها فاتته أي سبقته، فإنّه كلّما نال شيئا فتحت له أبواب الآمال فيها، فلا يكاد يقضي مطلوبا حتّى يهتف به ألف مطلوب. هكذا فسّره بعض. و فسّره البحرانى في شرحه على نهج البلاغه بنحو آخر، فراجع الشرح: ج ٢، ص ٢٢٩.
و من قعد عنها و لم يطلبها و تركها و اتته: أي طاوعته و وافقته و أقبلت إليه، أو طاوعته يعني استراح هو فيها.
[٥] - من جعلها سبب هدايته و اعتبر منها و استدلّ بآياتها جعلته بصيرا و من أبصر إليها؛ أي جعلها موضع همّته و طلبه أعمته عن إدراك الحقائق و عن معرفة عيوبها، و لذلك صار حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة.