تحرير المواعظ العددية - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ١٥٤ - الفصل الثاني عشر مما ورد من كلام الحكماء
و هو أحكم أهل الأرض.
و عن أبي جعفر ٧ قال: لمّا وعظ لقمان ابنه قال: أنا منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرت الدّنيا و استقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها متباعد.
يا بنيّ، لا تطلب من الأمر مدبرا و لا ترفض منه مقبلا؛ فإنّ ذلك يفسد الرأي، و يزري[١] بالعقل.
يا بنيّ ليكن ممّا تستظهر[٢] به على عدوّك الورع عن المحارم، و الصيانة لمروّتك، و الإكرام لنفسك أن لا تدنّسها[٣] بمعاصي الرحمن، و مساوي الأخلاق، و قبيح الأفعال، فاكتم سرّك، و أحسن سيرتك؛ فإنّك إذا فعلت ذلك أمنت- بستر اللّه- أن يصيب عدوّك منك عورة، أو يقدر منك على زلّة، و لا تأمن مكره، و استصغر الكثير في طلب المنفعة، و استعظم الصغير في ركوب المضرّة.
يا بنيّ، لا تجالس الناس بغير طريقتهم، و لا تحملنّ عليهم فوق طاقتهم، فلا يزال خليلك يعضدك، و المحمول عليه فوق طاقته مجانبا لك، فإذا أنت فرد لا صاحب لك يؤنسك، و لا أخ لك يعضدك، فإذا بقيت وحدك كنت مخذولا، و صرت ذليلا، و لا تعتذر إلى من لا يحبّ أن يقبل لك عذرا و لا يرى لك حقّا و لا تستعن في امورك إلّا بمن يحبّ أن يتّخذ في قضاء حاجتك أجرا؛ فإنّه إذا كان كذلك طلب قضاء حاجتك لك كطلبه لنفسه؛ لأنّه بعد نجاحها لك كان ربحا في الدّنيا الفانية و حظّا و ذخرا لك في الدار الباقية فيجتهد في قضائها لك، و ليكن إخوانك و أصحابك الّذين تستخلفهم و تستعين بهم على امورك
[١] - زرى عليه عمله: إذا عابه و عنّفه. و الزاري بالإنسان: الذي لا يعدّه شيئا و ينكر عليه فعله( لسان العرب: ١٤/ ٤٥٦).
[٢] - استظهر به: استعان( لسان العرب: ٤/ ٥٢٥).
[٣] - الدّنس: الوسخ. و دنّس الرجل عرضه: إذا فعل ما يشينه( لسان العرب: ٦/ ٨٨).