تحرير المواعظ العددية - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ١٥٣ - الفصل الثاني عشر مما ورد من كلام الحكماء
عن تفسيره.
و كان يكثر مجالسة الحكماء، و يتواضع لهم، و يغشى القضاة و الملوك و السلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا، و يرحم الملوك و السلاطين لعدّتهم[١] و اغترارهم باللّه و طمأنينتهم إلى الدّنيا، و ميلهم إليها و إلى زهرتها[٢] فيفكّر في ذلك، و يعتبر و يتعلّم ما يغلب به نفسه، و يجاهد هواه و يحترز به من الشّيطان، و كان لا يصغي إلّا فيما ينفعه، و لا ينطق إلّا فيما يعنيه، فبذلك اوتي الحكمة، و منح العصمة.
و إنّ اللّه تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت[٣] العيون بالقائلة، فنادوا لقمان من حيث يسمع كلامهم و لا يراهم، فقالوا: يا لقمان! هل لك أن يجعلك اللّه خليفة تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: إن أمرني ربي بذلك فسمعا و طاعة؛ لأنّه إن فعل ذلك بي أعانني و أغاثني و علّمني و عصمني، و إن هو عزّ و جلّ خيّرني قبلت العافية.
فقالت الملائكة: و لم يا لقمان؟ فقال: الحكم بين الناس شرّ المنازل من الدين، و أكثره فتنا و بلايا، يخذل صاحبه و لا يعان و يغشاه الظلم من كلّ مكان، و صاحبه من بين أمرين: إن أصاب فيه الحقّ فبالحريّ أن يسلم، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، و من يكن ذليلا و وضيعا بين الناس لا يعرف كان أهون عليه في المعاد، و أقرب إلى الرشاد من أن يكون فيها جليلا، و من اختار الدّنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما؛ تزول عنه هذه، و لا يدرك تلك.
قال: فعجب الملائكة من حكمته، و استحسن الرحمن منطقه، فلمّا أمسى و أخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة فغشّاه بها، فاستيقظ
[١] - العدّة- بالضمّ-: الجماعة، و الاستعداد للحوادث.
[٢] - زهرة الدنيا: حسنها و بهجتها( العين: ٤/ ١٣).
[٣] - هدأت: أي سكنت و نامت.